دجلة بين التلوث والتضليل : تصريح مرتبك يكشف أزمة إدارة الدولة

خاص | مدار24

 

في العراق، يكفي تصريح عن مخلفات المستشفيات لتتحول سلامة الماء إلى سجال بين المؤسسات. لكن خلف الجدل الذي أثارته وزيرة البيئة سروة عبد الواحد، تبقى أسئلة أكثر إلحاحاً: ماذا يُلقى في دجلة؟ أين نتائج الفحوص؟ ومن يحاسب الجهات التي تلوث النهر؟

تحدثت عبد الواحد عن خشيتها من تناول الأسماك بعد اطلاعها على تصريف مخلفات المستشفيات، بما فيها دماء قد تعود إلى مرضى مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. ونقلت وسائل إعلام حديثها بطريقة ربطت بين تلك المخلفات وخطر العدوى عبر الأسماك، وهي صلة لا تسندها الحقائق الطبية. (alsumaria.tv⁠)

وفي بيان صدر الأحد، 11 تشرين الأول 2026، أوضحت وزارة البيئة أن التحذير يتعلق بالتداعيات الصحية والبيئية لتصريف المخلفات الطبية والمياه غير المعالجة. وأكدت أن فيروس نقص المناعة البشرية، المسبب للإيدز، لا ينتقل عبر تناول الأسماك أو شرب المياه أو الأغذية، معتبرة أن بعض التغطيات تناولت التصريح بصورة غير دقيقة علمياً. (mawazin.net⁠)

وبحسب نص البيان الذي نقلته شبكة 964، شددت الوزارة على أنها سبق أن أعلنت حالة الطوارئ البيئية، وتعهدت بكشف المخالفات وعدم مجاملة أي جهة يثبت تورطها في الإضرار بصحة المواطنين. ودعت وسائل الإعلام إلى الدقة في نقل التصريحات وصياغة العناوين، وتجنب التهويل والتضليل.

لكن مسؤولية الدقة تبدأ أيضاً من المسؤول الذي يتحدث. فالربط بين الخشية من تناول السمك ودماء أشخاص متعايشين مع الفيروس فتح الباب لفهم خاطئ، وأوقع الوزيرة في مأزق كان يمكن تجنبه بتحديد الملوثات ومخاطرها المثبتة. المعلومات الطبية واضحة: الماء والطعام ليسا من طرق انتقال فيروس نقص المناعة البشرية. (afro.who.int⁠)

لا يثبت التصريح وجود دماء ملوثة بالفيروس في النهر، ولا يقدم دليلاً على خطر العدوى عبر الأسماك. وإقحام هذا الاحتمال في التحذير البيئي أضعف الرسالة الأساسية، ومنح الجهات المعنية فرصة للتركيز على تصحيح الخطأ الطبي بدلاً من الإجابة عن مصير مخلفاتها. كما حمّل المتعايشين مع الفيروس وصمة إضافية لا مبرر لها.

وهنا تكمن المفارقة: يمكن أن تكون المعلومة عن انتقال العدوى خاطئة، فيما تظل مشكلة التلوث حقيقية وتستدعي التحقيق. تصحيح الأولى لا يحسم الثانية، ولا يعفي وزارة الصحة أو غيرها من تقديم بيانات عن معالجة الصرف والتخلص من النفايات الطبية.

وفي تقرير نشرته الجزيرة في يونيو، قال مسؤول في وزارة الموارد المائية إن هناك أكثر من خمسمئة مصدر تلوث في نهري دجلة والفرات، تتصل بمؤسسات تابعة لوزارات، بينها الصحة، فضلاً عن أمانة بغداد ودوائر المجاري. وهذه إفادة تقتضي تحديد المنشآت المخالفة وفحص أدائها، ولا تكفي وحدها لإثبات تفاصيل الاتهام المتعلق بدماء المرضى أو بمستشفى بعينه. (aljazeera.net⁠)

بذلك، أتاح ارتباك التصريح لوزارة الصحة مساحة للدفاع عن نفسها على أرضية علمية صحيحة، من دون أن يحسم مسؤولية مؤسساتها عن مصادر التلوث التي تحدث عنها مسؤول الموارد المائية. المطلوب تجاوز تبادل النفي والتحذير إلى نشر نتائج الفحوص، وخرائط التصريف، وحالة محطات المعالجة، والإجراءات المتخذة بحق المخالفين.

هذه الأزمة تعكس مشكلة أوسع في الحكم. البلد لا تحكمه المفكات؛ إدارة الدولة تحتاج إلى كفاءات ومؤسسات وقواعد واضحة للمساءلة. وعندما يُعامل المنصب الوزاري بوصفه حصة حزبية، يصبح السؤال عن الجهة التي تحمي المسؤول أقوى من السؤال عن قدرته على أداء عمله.

في نظام المحاصصة العراقي، تتأثر التعيينات ومواقع النفوذ بمفاوضات التقاسم بين الأحزاب، ولا تكون الكفاءة المهنية دائماً المعيار الحاسم. وقد وصفت تقارير صحفية توزيع الوظائف على الموالين واستمرار الاستياء الشعبي من الفساد وضعف الخدمات. والحصيلة قاسية: الأحزاب التي تقاسمت السلطة أخفقت إخفاقاً ذريعاً في بناء نظام خدمات عامة يوازي موارد العراق واحتياجات سكانه. (reuters.com⁠)

والفساد الإداري يتجاوز المعاملة المتعثرة والرشوة الصغيرة إلى قضايا نهب بمبالغ هائلة. فقضية الأمانات الضريبية المعروفة بـ«سرقة القرن» تعلقت بنحو 2.5 مليار دولار، سُحبت بطرق غير مشروعة خلال عامي 2021 و2022، وفق تقرير لرويترز تناول ملاحقة مسؤولين سابقين ومشتبه بهم. (sa.investing.com⁠)

لا تثبت هذه القضية أن الأموال المسروقة كانت مخصصة لمعالجة مياه دجلة. لكنها تكشف حجم الخلل الرقابي، وتوضح ما يخسره المجتمع حين تُستنزف الموارد العامة وتضعف المحاسبة. وكل نقاش جاد في تدهور الخدمات يحتاج إلى تدقيق الإنفاق والعقود والتشغيل، وصولاً إلى المسؤولية السياسية والإدارية.

وعد وزارة البيئة بعدم مجاملة الجهات المخالفة يستحق اختباراً عملياً. هل ستنشر أسماء المنشآت ونتائج القياسات؟ وهل ستعلن جدولاً لإيقاف التصريف غير المعالج؟ وهل تستطيع مساءلة مؤسسة حكومية تحظى بحماية سياسية؟

سلامة دجلة تُقاس بالمختبرات ومحطات المعالجة والرقابة، لا بحدة التصريحات. والعراقيون يستحقون خطاباً علمياً دقيقاً، وماءً مأموناً، ووزراء تُقاس كفاءتهم بما ينجزونه. أما بقاء الوزارات حصصاً حزبية، فيجعل كل أزمة خدمات مناسبة جديدة لتبادل الدفاعات، بينما يبقى المواطن أمام النهر نفسه، والأسئلة نفسها.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.