مئوية الرواد : بغداد تستعيد السيّاب والبياتي وبلند، بعد قرن من ولادتهم

متابعة | مدار 24

لم يجمع بدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري الشعر فقط، وإنما جمعهم أيضًا زمن ثقافي عراقي كان يشهد تحولات واسعة في الأدب والفكر والفن.

 

ففي منتصف القرن العشرين، كانت بغداد تشهد حركة أدبية وفكرية نشطة، وكانت المقاهي والمنتديات والصحف والمجلات فضاءات للنقاش حول مستقبل القصيدة واللغة ودور الشاعر في المجتمع.

 

وفي هذا المناخ ظهرت تجارب شعرية جديدة، أصبح السيّاب والبياتي وبلند من أبرز رموزها، كلٌّ بطريقته الخاصة ومساره الشعري المختلف.

 

▪️ بدر شاكر السيّاب الشاعر الذي حمل جيكور معه

 

وُلد بدر شاكر السيّاب عام 1926م في قرية جيكور التابعة لأبي الخصيب في محافظة البصرة، ونشأت تجربته الشعرية مرتبطة بالمكان والطبيعة والطفولة والذاكرة.

 

وكانت جيكور أكثر من مجرد مكان في سيرته؛ فقد ظلت حاضرة في مخيلته الشعرية، وظهرت صورها في عدد كبير من قصائده، حتى أصبحت القرية جزءًا من الصورة التي ارتبط بها اسم السيّاب.

 

وتشير صفحة الشاعر في متحف جامعة بغداد إلى تأثير البيئة الأولى في جيكور في تكوين ذاكرته الشعرية، وإلى استمرار حضور القرية في شعره حتى سنوات حياته الأخيرة.

 

ولم يكن السيّاب شاعر المكان فقط؛ فقد ارتبط اسمه بتحولات كبرى في بنية القصيدة العربية، وبالتجارب المبكرة للشعر الحر، إلى جانب قصائد أصبحت من العلامات البارزة في الشعر العربي الحديث.

 

ومن أبرز أعماله «أنشودة المطر»، التي أصبحت عنوانًا مرتبطًا باسمه وبمرحلة مهمة من تاريخ القصيدة العراقية، وترك السيّاب، رغم رحيله المبكر عام 1964، أثرًا ممتدًا في أجيال لاحقة من الشعراء والقراء والنقاد.

 

▪️ عبد الوهاب البياتي الشاعر الذي حمل بغداد إلى المنفى

 

وُلد عبد الوهاب البياتي في بغداد عام 1926، وكان واحدًا من أبرز الشعراء العراقيين الذين ارتبطت أسماؤهم بحركة التجديد الشعري.

 

لم تكن تجربة البياتي محصورة في بغداد فقد قادته حياته إلى مدن عربية وأوروبية، وعاش فترات طويلة خارج العراق، وهو ما جعل الغربة والمنفى والسفر والحوار مع الثقافات المختلفة حاضرة في تجربته الأدبية.

 

وقد ترك البياتي عددًا كبيرًا من الدواوين الشعرية، وأصبحت تجربته موضوعًا للدراسات والترجمات في عدد من اللغات.

 

وفي العراق، تواصل المؤسسات الثقافية إعادة نشر أعماله؛ فقد أصدرت دار الشؤون الثقافية العامة مؤخرًا الأعمال الشعرية الكاملة للبياتي في ثلاثة أجزاء، في طبعة وصفها الناشر بأنها أول طبعة كاملة لديوانه تصدر في العراق بعد رحيله.

 

وهذا الحضور المتجدد لأعمال البياتي يوضح أن الاحتفاء بمئويته لا يقتصر على استعادة صورة الشاعر، وإنما يمتد إلى إعادة قراءة نصوصه وإتاحتها للأجيال الجديدة.

 

▪️ بلند الحيدري صوت المدينة والغربة

 

أما بلند الحيدري، فقد كان واحدًا من الأسماء الأساسية في تجربة الشعر الحديث في العراق والعالم العربي.

 

وتميزت تجربته الشعرية بعلاقة خاصة مع المدينة والاغتراب والأسئلة الإنسانية، إلى جانب اهتمامه باللغة والموسيقى والتراث.

 

وتصف دار الشؤون الثقافية العامة تجربة بلند بأنها واحدة من التجارب الغنية في الحداثة الشعرية العراقية والعربية، مشيرة إلى الحاجة إلى دراسات موسعة تستقصي أبعادها وعلاقتها بالتراث واللغة والموسيقى.

 

وقد أعادت دار الشؤون الثقافية العامة أيضًا إصدار الأعمال الشعرية الكاملة للحيدري، في مشروع يحفظ إنتاجه ويتيح للباحثين والقراء العودة إلى تجربته الشعرية كاملة.

 

▪️ بغداد المدينة التي احتضنت التحولات

 

لم تكن بغداد بالنسبة إلى هؤلاء الشعراء مجرد مدينة عاش فيها بعضهم أو مر بها الآخر؛ كانت جزءًا من المشهد الثقافي الذي شهد ولادة أسئلة جديدة حول الشعر والأدب والفن.

 

في شوارعها ومقاهيها ومجالسها الثقافية، التقى الشعراء والكتاب والصحفيون والفنانون، وتجادلوا حول القصيدة الجديدة، وموقع التراث، وعلاقة الأدب بالتحولات السياسية والاجتماعية.

 

ومن هنا فإن استعادة أسماء السيّاب والبياتي وبلند في بغداد بعد قرن من ولادتهم تحمل معنى يتجاوز الاحتفال بالماضي

مقالات قد تعجبك
1 Comment
  1. Joel351 علق
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.