نازك الملائكة الشاعرة التي غيّرت إيقاع القصيدة العربية

كتبه : مصطفى شاكر _ العراق

في بغداد، حيث كانت القصيدة العربية تعيش زمناً طويلاً في ظلال الأوزان والقوافي الموروثة، ظهرت شاعرة لم تكتفِ بأن تكتب الشعر، بل دخلت إلى صميم السؤال الشعري نفسه هل يمكن للقصيدة العربية أن تتغير دون أن تفقد موسيقاها؟ كانت تلك الشاعرة نازك الملائكة، واحدة من أبرز الأصوات العراقية التي أسهمت في نقل الشعر العربي إلى مرحلة جديدة، وجعلت من التجديد الشعري قضية فكرية وجمالية لا مجرد خروج على القاعدة.

 

ولدت نازك صادق الملائكة في بغداد في 23 آب/أغسطس 1923، في بيت كان الأدب فيه جزءاً من الحياة اليومية. كانت والدتها الشاعرة سلمى عبد الرزاق، المعروفة أدبياً باسم «أم نزار الملائكة»، أما والدها صادق الملائكة فكان أديباً وباحثاً. وفي هذا المناخ الثقافي بدأت موهبتها الشعرية في وقت مبكر، فكتبت الشعر وهي في سن صغيرة، وتعلمت منذ طفولتها الأوزان والعروض، الأمر الذي جعل علاقتها بالقصيدة لاحقاً قائمة على المعرفة العميقة بالموسيقى الشعرية، لا على التمرد العابر عليها.

 

 

▪️ من بغداد بدأت الحكاية

 

أكملت نازك دراستها في دار المعلمين العالية وتخرجت عام 1944، ثم واصلت اهتمامها بالفنون فالتحقت بمعهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949، قبل أن تتجه إلى الولايات المتحدة لدراسة الأدب، وتحصل عام 1959 على درجة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن–ماديسون. كما عُرفت باهتمامها بعدد من اللغات والآداب، الأمر الذي وسّع رؤيتها للشعر والثقافة.

 

لم تكن نازك شاعرة منعزلة عن الحياة الثقافية والأكاديمية؛ فقد عملت في التدريس الجامعي، ودرّست في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت، وظلت تجمع بين كتابة الشعر والبحث والنقد والتدريس. وكانت ترى أن الشاعر لا يستطيع أن يطوّر تجربته من دون وعي بما يحيط به من تحولات فكرية واجتماعية وجمالية.

 

 

▪️ «الكوليرا».. القصيدة التي فتحت الباب

 

ارتبط اسم نازك الملائكة بصورة خاصة بقصيدة «الكوليرا» التي كتبتها عام 1947 متأثرة بوباء الكوليرا الذي اجتاح مصر آنذاك. وقد أصبحت القصيدة واحدة من العلامات البارزة في تاريخ الشعر العربي الحديث، لأنها قدمت نموذجاً مبكراً لما عُرف لاحقاً بـ الشعر الحر أو شعر التفعيلة.

 

لم يكن التحول في قصيدة «الكوليرا» مجرد تغيير في شكل الأسطر، وإنما كان محاولة لإيجاد إيقاع يتناسب مع التجربة النفسية والموضوع الذي تتناوله القصيدة. فالموت والمرض والخوف وحركة عربات الموتى كلها احتاجت، في رؤيتها، إلى موسيقى مختلفة عن الموسيقى التقليدية للقصيدة العربية.

 

وهنا بدأت واحدة من أهم التحولات في الشعر العربي الحديث. وفي الوقت نفسه تقريباً كان بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وشاذل طاقة يخوضون تجارب تجديدية مشابهة في العراق، ولذلك بقيت مسألة الريادة في الشعر الحر موضوعاً للنقاش الأدبي والنقدي، لكن الدور الذي أدته نازك في التنظير لهذا التحول وترسيخه لا يمكن تجاهله.

 

 

▪️ لم تكتفِ بكتابة الشعر.. بل حاولت أن تضع له قوانين جديدة

 

تميزت نازك عن كثير من شعراء جيلها بأنها لم تكتفِ بالممارسة الشعرية، بل دخلت إلى ميدان النقد والتنظير. كانت تريد أن تفهم التحول الذي يحدث في القصيدة وأن تضع له أسساً وقواعد، ولذلك جاء كتابها الشهير «قضايا الشعر المعاصر» واحداً من أهم الكتب النقدية التي ناقشت الشعر الحر وقضاياه ومشكلاته.

 

وفي هذا الكتاب قدمت رؤيتها للشعر الجديد، وحاولت أن تضع ضوابط تحول دون أن يتحول التحرر من القافية والشكل التقليدي إلى فوضى شعرية. بالنسبة إليها، لم يكن الشعر الحر إلغاءً للموسيقى أو للأوزان، بل إعادة تنظيم للعلاقة بين الشاعر والإيقاع والتجربة.

 

وهذا الجانب يكشف شخصية نازك الأدبية بوضوح؛ فهي لم تكن شاعرة تبحث عن كسر القديم لمجرد كسره، بل كانت شاعرة ومفكرة في الشعر، تنظر إلى القصيدة باعتبارها بناءً فنياً يحتاج إلى وعي ودراسة.

 

 

▪️ «عاشقة الليل» و«شظايا ورماد»

 

صدر ديوانها الأول «عاشقة الليل» عام 1947، وظهرت فيه ملامح تجربتها الشعرية المبكرة بما تحمله من حزن وتأمل وقلق وأسئلة وجودية. ثم جاء ديوان «شظايا ورماد» عام 1949 ليكرس حضورها في المشهد الشعري العربي، ويضع اسمها إلى جانب أبرز شعراء التجديد في العراق.

 

ثم توالت أعمالها الشعرية، ومنها «قرارة الموجة» (1957)، و**«شجرة القمر» (1965)، و«مأساة الحياة وأغنية للإنسان» (1977)، و«للصلاة والثورة» (1978)**، إلى جانب أعمالها النقدية والفكرية مثل «قضايا الشعر المعاصر» و«الصومعة والشرفة الحمراء» و«سيكولوجية الشعر».

 

ولم تكن موضوعاتها محصورة في الحب والغزل، فقد حضرت في شعرها أسئلة الموت والوحدة والمرأة والإنسان والحرية والقلق الوجودي، وكانت قصيدتها في كثير من الأحيان أشبه بمساحة للتأمل الداخلي ومواجهة المخاوف والأسئلة التي يعيشها الإنسان.

 

 

▪️ امرأة في قلب التحول الأدبي

 

كانت نازك واحدة من النساء اللواتي دخلن المشهد الأدبي العربي في مرحلة كان فيها المجال الثقافي لا يزال شديد الذكورية. لكنها لم تفرض حضورها باعتبارها «شاعرة امرأة» فقط، وإنما باعتبارها صوتاً شعرياً وفكرياً مؤثراً.

 

ومن هنا تبدو تجربتها أكثر أهمية؛ فقد استطاعت أن تجمع بين الحساسية الشعرية والمعرفة الأكاديمية، وبين كتابة القصيدة والبحث في طبيعتها، وبين التراث العربي والاطلاع على الآداب العالمية.

 

كما أن علاقتها بالموسيقى، ودراستها لها، تركت أثراً واضحاً في وعيها بالإيقاع. فالقصيدة عندها لم تكن كلمات مصفوفة، وإنما أصوات وحركات وتوترات تتفاعل داخل النص.

 

مرت حياة نازك بمحطات متعددة خارج العراق، فعاشت وعملت في الكويت، ثم استقرت في القاهرة منذ عام 1990 تقريباً، وابتعدت في سنواتها الأخيرة عن الأضواء والحياة العامة، لكنها لم تغادر المشهد الثقافي؛ إذ ظل شعرها وكتبها موضع دراسة واهتمام في الجامعات والدوائر الأدبية العربية.

 

وفي 20 حزيران/يونيو 2007 رحلت نازك الملائكة في القاهرة، بعد حياة امتدت لأكثر من ثمانية عقود، تاركة وراءها تجربة لا يمكن فصلها عن التحولات الكبرى التي شهدها الشعر العربي في القرن العشرين.

 

وبعد عقود من رحيلها، عادت نازك الملائكة رمزاً حاضراً في مدينتها الأولى. ففي عام 2024 أزيح الستار عن تمثال لها في شارع السراي وسط بغداد، للنحات العراقي فاضل مسير، في استعادة رمزية لاسم الشاعرة التي غادرت العراق جسداً، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرته الثقافية.

 

كما اختيرت نازك الملائكة رمزاً للثقافة العربية عام 2023 بمناسبة مرور مئة عام على ولادتها، وأصدر البريد العراقي طابعاً تذكارياً يحمل صورتها احتفاءً بمئويتها.

 

 

▪️ نازك.. حين يصبح التجديد جزءاً من التاريخ

 

لم تكن أهمية نازك الملائكة في أنها كتبت قصيدة مختلفة فحسب، وإنما في أنها ساهمت في جعل التجديد الشعري مشروعاً واعياً. فقد جاءت من خلفية تعرف العروض والموسيقى والتراث، ثم اختارت أن تبحث عن مساحة جديدة تستطيع القصيدة العربية من خلالها التعبير عن الإنسان الحديث.

 

ولهذا بقي اسمها مرتبطاً بواحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ الأدب العربي الحديث. وبينما اختلف النقاد حول تفاصيل الريادة ومن كتب أول قصيدة حرة، ظل اسم نازك الملائكة ثابتاً في مقدمة ذلك التحول، شاعرةً وناقدةً ومنظّرةً تركت بصمتها في أجيال متعاقبة من الشعراء.

 

رحلت نازك الملائكة عام 2007، لكن بغداد لم تتركها تغيب تماماً ففي الكتب والدواوين والدراسات، وفي الجامعات، وفي ذاكرة الشعر العربي، ثم في تمثالها القائم وسط بغداد، بقيت صورة امرأة وقفت في منتصف القرن العشرين أمام القصيدة العربية وقالت لها، بالفعل لا بالقول يمكن أن يتغير الشكل، من دون أن تموت روح الشعر.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.