في يوم الاحتفاء : ما سرّ خلود حافظ الشيرازي؟

خاص | مدار24

 

في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتسع وسائل الاتصال وتتضاعف المنجزات المادية، يبقى السؤال: ما الذي نفتقده؟ لو كان حافظ الشيرازي بيننا اليوم، لعلّه أعادنا إلى القيم التي تسري في ديوانه: الأخلاق، والإنسانية، والصدق، والتسامح، والعطاء، ونبذ الرياء.

بمناسبة يوم الاحتفاء بحافظ، الذي يوافق هذا العام ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦، يستحضر الدكتور سعيد خال، الأستاذ الجامعي والباحث في شعره، هذه المعاني في مقال قدّمه إلى وكالة أنباء الطلبة الإيرانية «إيسنا» بعنوان «الأخلاق، الغائب عن مجتمعنا اليوم». وينطلق من بيتٍ ورد في مقطوعة منسوبة إلى حافظ:

«لا تكن أقلّ عطاءً من شجرةٍ وارفة الظلال؛
فكلّ من يرميك بحجر، امنحه ثمرًا».

تختصر هذه الصورة رؤية أخلاقية عميقة: شجرة تُرمى بالحجارة، لكنها تواصل الإثمار ولا تحجب ظلّها عن أحد. والنبل هنا أن نحافظ على الخير في داخلنا، وألّا نسمح لإساءة الآخرين بأن تسلبنا قدرتنا على العطاء.

لا تدعو هذه الرؤية إلى السكوت عن الظلم أو التخلّي عن الحقوق؛ إنها تدعونا إلى مقاومة الإساءة من دون أن نعيد إنتاجها. نستطيع أن نواجه ونطالب وننتقد، وأن نبقى أوفياء لقيمنا في الوقت نفسه.

من هنا يمكن فهم سرّ خلود حافظ. ففي ديوان محدود الحجم، عبّر عن مشاعر وأسئلة تتّسع للإنسانية بأسرها. مضت قرون على عصره، وتعاقب شعراء كثيرون، لكنه ظلّ حاضرًا في البيوت والمناسبات، وفي النوروز وليلة يلدا، وفي لحظات الفرح والحزن وعلى ألسنة الناس. لقد خاطب قلب الإنسان، فبقي شعره قريبًا من الحياة.

ويمتد هذا الحضور إلى ما وراء حدود إيران. فمعاني الحب والمروءة والحكمة والجمال في شعره تجد صداها لدى كل من يبحث عن السكينة والمعنى. لذلك أصبح حافظ تراثًا ثقافيًّا حيًّا؛ فالتراث يشمل، إلى جانب الآثار والمخطوطات، طرائق النظر إلى العالم والعيش مع الآخرين.

ورغم ما حقّقه عالمنا من تقدّم، يظلّ سؤال حافظ حاضرًا: كيف نحافظ على إنسانيتنا؟ تقدّم الشجرة الوارفة الظلال إجابةً بليغة: ألّا تستنفدنا الرغبة في ردّ الأذى، وألّا تمنعنا قسوة الآخرين من الإثمار.

في يوم الاحتفاء بحافظ، لعلّ أجمل تكريم له أن نحمل شيئًا من هذه المعاني إلى حياتنا، وأن نجعل قراءة شعره فرصةً لمراجعة سلوكنا وصلتنا بالآخرين.

مبارك هذا اليوم لمحبّي حافظ وعشّاق الثقافة والأدب الفارسي، ولجميع من يصونون هذا التراث الإنساني النفيس.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.