في هذا الحوار، يقدّم نوفل بوشارب، الشاعر والأكاديمي المغربي، وباحث ما بعد الدكتوراه في الرياضيات وتطبيقاتها بالمدرسة الوطنية للطرق والقناطر في فرنسا، قراءته للاحتجاجات في باريس ومدن فرنسية أخرى. ويتوقف عند مطالب المشاركين فيها، وحدود الاستجابة الحكومية، وما تحجبه صور المواجهات والعنف من أسئلة أعمق تتعلق بالتعليم والعدالة الاجتماعية وأزمة الخدمات العامة.
ممَّ تتكوّن الانتفاضة؟ De quoi se compose l’émeute ؟ “من لا شيء، ومن كلّ شيء. من كهرباءٍ تتراكم شيئاً فشيئاً، ومن شعلةٍ تنبثق فجأة، ومن قوّةٍ هائمة، ومن نَفَسٍ عابر. يلتقي هذا النَّفَسُ برؤوسٍ تفكّر، وعقولٍ تحلم، ونفوسٍ تتألّم، وأهواءٍ تحترق، وبؤسٍ يصرخ؛ فيحملها معها. إلى أين؟ إلى المصادفة. وفي أسفلها يوجد الغوغاء؛ ذلك الوحل الذي تشتعل فيه النار. في الانتفاضة يلتقي أعظم ما في الإنسان وأحطّ ما فيه.إنها تتكوّن فجأة حين تتوافر ظروف معيّنة؛ ثم تدور، وتصعد، وتركض، وترعد، وتقتلع، وتحطّم، وتحمل معها العظيم والتافه معاً: جذعَ الشجرة وقشّةَ العشب. وهي تمنح الذين تجرفهم قوةً لم تكن لهم. تصنع من كل شيء سلاحاً، ومن كل شيء مقذوفاً. تجعل من الحجر قذيفة، وقد تجعل من الحمّال قائداً.” المشكلة أن الصورة، حين تصلنا مجزأة عبر الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، تدفعنا بسهولة إلى اختيار معسكر: إما أن نرى المتظاهرين جميعاً مخربين، وإما أن نرى الشرطة وحدها مسؤولة عن كل ما حدث.
والغريب هو تصرف اليمين، صمت تام. وإدانات متأخرة للمهاجرين وهي إدانات تتصاعدُ يوما بعد يوم وكأنه يبحث عن “شمّاعة” أو أصوات يجذبها من خلال الأزمة. أما المقاربة الأمنية فتثير سؤالاً آخر.
منذ بداية الحركة، وُضع نحو ثمانية آلاف شخص رهن الحراسة النظرية، بينهم عدد كبير جداً من القاصرين. حين ننشغل بالحريق والتخريب وحدهما، نفقد القدرة على سماع ما سبق الحريق. ينبغي أن نسأل عما يحدث داخل المؤسسات التعليمية، وعن معنى أن يغيب أستاذ لأسابيع، أو أن تعاني مؤسسة من نقص مستمر في الموارد، وعن الأثر الذي يتركه ذلك في الحياة اليومية للتلاميذ. فالاحتجاج لا يولد في اللحظة التي نراه فيها.
أشرتَ إلى إعلان الحكومة تعبئة ثلاثة آلاف أستاذ بديل للمؤسسات الأكثر احتياجًا. كيف تقيّم هذه الاستجابة؟
السؤال بالنسبة إليّ ليس إن كان الإجراء جيدًا أو سيئًا في ذاته، بل: إلى أي حد يمس جذور المشكلة؟ أنا أعاين واقع التعليم من الداخل، ولذلك يصعب عليّ أن أتعامل مع المسألة باعتبارها مجرد رقم: ثلاثة آلاف أستاذ إضافي، إذن المشكلة حُلّت. لا، ليس هكذا، هذا العدد من الأساتذة لا يكفي حتى مدينة واحدة ربما. السؤال هو ما إذا كنا أمام سياسة طويلة النفس، تحسِّن أجور الأساتذة وأوضاعهم وبالتالي رغبتهم في ممارسة المهنة، أم نحن أمام تدبير استعجالي لاحتواء غضب التلاميذ. التعليم لا يمكن أن يُدار بمنطق إطفاء الحريق. لأننا، ببساطة، سنقضي حياتنا في انتظار الحريق التالي وهو دائما قريب منا.
ما الذي يغيب تحديدًا عن التغطية الإعلامية؟
يغيب الوعي بالتعقيد الذي يسكنُ المشكلات. فالحقيقة لا وجود لها، وإنما يوجد لبالغ الأسف تفسيراتٌ تختلف في جودتها من شخص لآخر ومن منبر إعلامي لآخر. ولأن الظواهر عادةً ما تكون عسيرة على الفهم والتحليل فالجمهور قد يرى فقط لحظة الانفجار، لكنه لا يرى بالقدر نفسه ما تراكم قبلها وهنا يبدأ في نظري دور الميديا : أن تصوّر المدرسة والحي والمستشفى والنقل والخدمات العامة، ثم، التفاصيل الصغيرة التي تتراكم في حياة الناس إلى أن تصبح، في لحظة ما، مسألة تقضُّ مضجعهم. فالميديا أكثر من كونها وسيطا بين “حدث” و “متفرج/غائب عن الحدث”، بل في الحقيقة، وهنا أستعير “معجم فوكو”، هي آلية من آليات السلطة لتوجيه الرأي العام، وبالتالي قبول أشياء لم يكونوا ليقبلوا بها في وضع آخر.
ألا يُخشى أن يتحول البحث في أسباب العنف إلى تبرير له؟
هذا خلط شائع، كأن فهم شيء يعني بالضرورة تبريره. يحضرني هنا قولُ المعلّم الأكبر سبينوزا : “يجب ألاّ نسخر وألا نبكي ولا أن نكره، بل يجب أن نفهم”.
لكن يحضرني أكثر مشهد أحبه في البؤساء لفيكتور هوغو، في الحوار بين الأسقف ميرييل وشيخ من رجال الثورة الفرنسية. حين يواجهه الأسقف بعنف الثورة ويسأله، فيما معناه : «وماذا عن سنة 93؟»، في إشارة منه للثورة الفرنسية، يجيبه الشيخ بصورة بديعة: “لقد تراكمت السحابة طوال خمسة عشر قرنًا، ثم انفجرت، وها أنتم تحاكمون الصاعقة”. تعجبني هذه الصورة لأنها تقول شيئًا بالغ الأهمية عن العنف السياسي: الصاعقة لا تبدأ لحظة سقوطها. هناك سحابة تتشكل قبلها، وأحيانًا على مدى سنوات طويلة. وإذا اكتفينا بإدانة الصاعقة من دون أن نسأل كيف تشكلت السحابة، فلن نفهم شيئًا على الإطلاق. وهذا بالضبط ما أراه هنا. علينا أن نفهم الظروف السياسية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى الغضبِ والاحتجاج، وأن نحمي حقهم في التعبير السلمي عن مطالبهم. وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون هناك مساءلة واضحة عن الاعتداءات والتخريب. فلا مشروعية المطالب تبيح العنف، ولا وقوع العنف يلغي مشروعية المطالب. ومن واجب الشرطة، في النهاية، أن تحمي الناس وحقوقهم، وفي مقدمتها حق التظاهر السلمي. وهذه ليست مهمة إضافية للشرطة، بل جزء من معنى حفظ الأمن نفسه وجزء من الدستور الفرنسي.
تربط هذه الاحتجاجات بأزمة أوسع في الخدمات العامة. كيف تضعها في سياق عهد إيمانويل ماكرون؟
هناك مفارقة أجدها جديرة بالتأمل في تجربة ماكرون. هو أن هذا الرجل الذي جاء من عالم المصارف، وواجه منذ ولايته الأولى حركة «السترات الصفراء»، يجد نفسه الآن وبعد مرور تسعة سنواتٍ، مرة بعد أخرى، أمام موجة أخرى من الاحتقان الاجتماعي. وفي تقديري الشخصي، هناك ميل أكبرُ من اللّازم في إدارة الدولة بمنطقِ المصرفي: الكفاءة، والأرقام، وضبط النفقات، والبحث عن المردودية. وهذه مفاهيم قد تكون ضرورية في مجالها، لكن السؤال هو: هل يمكن أن ننظر إلى المدرسة والمستشفى والخدمة العامة بالطريقة نفسها التي ننظر بها إلى ميزانية شركة؟ دعني أذكرك هنا بأن ماكرون ووزيره إدوارد فيليپ قررا خلال ولايتهم الأولى زيادة رسوم التسجيل على الطلبة الأجانب ضاربين بعرض الحائط النضال الفرنسي من أجل تعليم عام وللجميع. المدرسة ليست مشروعًا نقيس قيمته فقط بما يدرّه علينا غدًا. والخدمة العامة لا يمكن اختزالها دائمًا في جدول للمصاريف والعائدات. وحين نرى الأمور من هذا الجانب، نقترب أكثر من فهم الاحتجاجات.
يجب قبل أن أجيبك أن أذكرك أن ترامب قبل أيام تحالف مع بوتين بخصوص رفع الضريبة عن الغازوال الروسي، وهذا دليل على أنه لا يمتلك أية مبادئ وإنما فقط مصالح. ولذلك رمى بأوكرانيا على جانب وأصلح العلاقات مع روسيا، خصوصا وأن حجم المعاملات التجارية مع روسيا أكبر بكثير من اوكرانيا التي يساندها الغرب ككتلة واحدة. ترامب هو بائع إباحيات وصل لأكبر ترسانة نووية في العالم ويقول ما يشاء من فمه ولا يتعامل مع العالم إلاّ “loosers or winners “ ولذلك نحنُ ننسى أنه رجل سوقي حين يتحدث. وخطاب ترامب ليس معزولا، سيكون من الغباء الإعتقاد بأن ترامب هو صاحب هذه الفكرة، بل هي نفسها جوهرُ خطاب اليمين الفرنسي، والذي، وببساطة، يختزل كلّ أعمال التخريب والشغبِ في المهاجرين. ولكن أيُّ هجرة حطمت فرنسا بالضبط؟ لا يوضح لنا ترامب أهي الهجرة النظامية أم الغير نظامية؟ الجيل الأول أم الثاني أم الثالث؟ أم الفرنسيون أبناء المهاجرين؟ اللاجئون؟ العمال؟ الطلبة والباحثون؟ حين نضع كل هذه الفئات في كلمة واحدة ثم نجعلها سبباً في اضطراب اجتماعي شارك فيه مئات الآلاف، نكون قد انتقلنا من التحليل إلى التعميم. نعم، هناك مشاكل متعلقة بالهجرة ولكن هذه الهجرة لا تفسر أزمة فرنسا التي يعد أكبر انفاقها عن أجور المتقاعدين. المهاجر لا يحمل بالضرورة كراهية لبلدٍ هاجر له، وإلاّ فحتّى مئة وأربعون مليون أمريكي من المهاجرين الذين يسيرون على أرض ليست أرضهم وهم فقط هاجروا إليها مثالا مضادا لكلامه. ترامب يعرف أنه خسر الانتخابات، وأن شعبيته إنهارت، وهو مستعد أن يلعب ورقة الهجرة أو الغاز أو الغازوال ليحسن سمعته. لأنه يحب السلطة. ولكي أكف عن الضرب في شخصه والتفكير، فهل يمكن حقا معرفة ما يحمله ملايين البشر في قلوبهم انطلاقاً من أصلهم الجغرافي؟ وإذا أردنا أن ننسب أعمال العنف الأخيرة إلى المهاجرين تحديداً، فعلينا أولاً أن نمتلك بيانات تثبت ذلك. لا تكفي صورة شخص يحمل علماً أجنبياً، ولا مقطع فيديو لعشرة مخربين، لتحديد هوية مئات الآلاف الذين خرجوا إلى الشارع أو أسباب خروجهم. لذلك هو على الأرجح يتحدث للأمريكيين كأنهم يقول لهم “انظروا أيها الأمريكيون إلى فرنسا التي كانت عظيمة يوما ما، فهذا ما أنقذكم منه بمشروع MAGA” يجب -في نظري- أن يحذر الفرنسيون من امريكا. لأن تراب يتعامل بمنطق الربح المادي وترى أوروبا كعالةٍ عليها في حين أن أوروبا ترى في أمريكا حليفا دائما. أمريكا بلدٌ قلب العالم مرات في السنوات الاخيرة، بكل ما إفتعله من حروب، واليوم، نرى أن القدرة الشرائية الفرنسية والمغربية كذلك تضررت بسبب حرب ترامب على إيران. آخر ما تهتم له أمريكا هي مصالح فرنسا وإلا كانت كفت هذه الحرب التي لا طائل من ورائها والتي بسببها أغلقت ايران مضيق هرمز. ثمة توتر متزايد بين تصور أوروبي يسعى إلى قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي وبين واشنطن ترامب. وفرنسا بالذات من أكثر الدول الأوروبية دفاعاً عن فكرة «السيادة الأوروبية».
كيف يمكن للمثقفين والجمعيات العربية إيصال رؤيتهم للأحداث والدفاع عن حقوقهم، مع دعم المطالب الاجتماعية السلمية ورفض أعمال العنف؟
أعتقد أن دور المثقفين والجمعيات العربية لا ينبغي أن يقتصر على إصدار بيان كلما وقعت أزمة يقول: نحن مع المطالب الاجتماعية ونرفض العنف. هذا ضروري، لكنه لا يكفي. لأن هناك مشكلة أعمق تتعلق بما يمكن أن نسميه بالرأسمال الرمزي للجماعات بلغةِ بورديو. خذ مثلاً الصورة الشائعة عن الألماني، الذي نفترض فيه الانضباط واحترام الوقت حتى قبل أن نعرفه شخصياً. وقد نلتقي ألمانياً لا يحترم موعداً واحداً في حياته، ومع ذلك لن نقول إن ذلك يكشف شيئاً عن «طبيعة الألمان». لأن الفرد هنا محمي، إلى حد ما، برأسمال رمزي إيجابي تراكم تاريخياً حول جماعته. المشكلة بالنسبة إلى العربي أن الآلية قد تعمل أحياناً في الاتجاه المعاكس. يرتكب شخص عربي عملاً إجرامياً، فيصبح أصله جزءاً من تفسير الجريمة. يرتكب شخص آخر الفعل نفسه، فنبحث في سيرته وظروفه ودوافعه الفردية. ونحن نرى هذا يوميا. وهنا أرى للثقافة والإعلام العربيين دوراً بالغ الأهمية: ليس أن يقدما «دعاية مضادة»، بل أن يكسرا هذه الصورة الأحادية. فالمنطقة التي نسميها اختزالاً «العالم العربي» تضم مئات الملايين من البشر، ومجتمعات وتجارب تاريخية ولغات ولهجات ومدارس فكرية وفنية شديدة الاختلاف. ومع ذلك تصل أحياناً إلى المتلقي الأوروبي في صورة كتلة واحدة: الدين، الهجرة، النفط، الحرب، الإرهاب، أو الصراع مع الغرب. القارئ الفرنسي يعرف دوستويفسكي وتولستوي وكافكا وغوته، وهذا أمر رائع، لكن كم قارئاً فرنسياً يعرف أبا العلاء المعرّي معرفة حقيقية؟ أو المتنبي؟ أو محمود درويش؟ نجيب محفوظ المصري وليس كهونوريه دي بالزالك العربي، وكم يعرف شيئاً عن تاريخ الفكر والفلسفة والفن في هذه المنطقة خارج الصور السياسية والدينية المعتادة؟ لهذا أعتقد أن جزءاً من العمل ينبغي أن يكون بعيد المدى: أن نستثمر في الترجمة والنشر والسينما والفنون والجامعات والمراكز الثقافية، وفي تقديم أدبنا وفكرنا إلى العالم، لا باعتبارهما فولكلوراً شرقياً، بل باعتبارهما جزءاً من التجربة الإنسانية. لكن ينبغي أن أضيف شيئاً أساسياً: لا أقول إن على العربي أن يثبت للعالم أنه يمتلك شعراء وفلاسفة حتى يستحق حقوقه. الفرنسي من أصل عربي يستحق حقوقه بوصفه مواطناً فرنسيا حتى لو لم يقرأ بيتاً واحداً للمتنبي. الثقافة تؤدي وظيفة أخرى: إنها تجعل الاختزال أصعب وأكثر تعقيدا. حين تعرف شعباً فقط من خلال نشرات الأخبار، يسهل أن تحوله إلى صورة. وحين تقرأ شعره وروايته، وتشاهد سينماه، وتسمع موسيقاه، وتدخل إلى أسئلته الفلسفية وحياته اليومية، يصبح من الأصعب كثيراً أن تختزله في صورة «المهاجر» أو «المخرّب» أو «المتطرف». ولهذا أعتقد أن الدفاع عن العرب في أوروبا له مستويان لا ينبغي الخلط بينهما: مستوى حقوقي وسياسي فوري، ومستوى ثقافي بعيد المدى، نبني فيه رأسمالاً رمزياً يجعل المجتمعات العربية حاضرة في المخيلة الأوروبية والإنسانية (لأن أوروبا ليست مركز الكون) بما تنتجه من أدب وفن وفكر، لا فقط بما تنتجه أزماتها من صور إخبارية. لا يمكن للثقافة أن تحل محل السياسة، لكنها تستطيع أن تفعل شيئاً لا تستطيع السياسة فعله بسهولة: أن تجعل الإنسان يرى إنساناً حيث اعتاد أن يرى هوية.
