________________________________________
تعتبر مدينة الناصرية من أقدم مدن جنوب العراق، حيث نقرأ فيها حكاية وطن، تختصر في أزقتها وملامح أهلها، إذ تحتضن واحدة من اقدم الحضارات البشرية على وجه الكرة الأرضية، مدينة عرفت بروح التسامح والتعايش السلمي بين مختلف الأديان والطوائف والقوميات، ومرآةٌ تعكس عمق الهوية العراقية وتنوّعها الأصيل.
تستمد الناصرية مكانتها الحضارية من جذورها الممتدة في أعماق التاريخ، حيث تقف محافظة ذي قار شاهدةً على واحدة من أعظم التجارب الإنسانية التي عرفتها البشرية، في أرض أور الأثرية، التي ارتبط اسمها بتاريخ الحضارة السومرية، وبالكتابة والمدن الأولى وتنظيم الحياة الاجتماعية والدينية. هنا، لم تكن الحضارة مجرد آثارٍ صامتة، بل كانت بداية حكاية الإنسان وهو يشقّ طريقه نحو المعرفة، ويبني المدن، ويصوغ ملامح المستقبل.
لكن عظمة الناصرية لا تكمن في تاريخها القديم وحده؛ بل في قدرتها على الحفاظ على روح التعايش، حيث تتجاور الذاكرة الدينية والثقافية، وتتلاقى روافد المجتمع العراقي في لوحةٍ إنسانية عنوانها الاحترام المتبادل. فالعراق، بتعدّد أديانه ومذاهبه وقومياته، لم يكن يوماً حكاية لونٍ واحد، بل نسيجاً غنياً صنعته قرونٌ من اللقاء والتفاعل والتاريخ المشترك.
وفي ذي قار، تحضر الذاكرة الدينية بوصفها جزءاً من الهوية الحضارية للمكان؛ فمدينة أور، التي ارتبطت في التراث الديني باسم النبي إبراهيم، تمثّل جسراً رمزياً بين التاريخ والإيمان، وبين حضارات المنطقة وذاكرتها الروحية. كما تشهد أرض العراق عموماً على حضور المسلمين بكافة طوائفهم، والمسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم من الجماعات التي أسهمت في تشكيل ملامح المجتمع العراقي، ثقافياً وإنسانياً وحضارياً.
والتعايش في الناصرية ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل قيمةٌ تتجلى في طبيعة المجتمع الجنوبي، وفي كرم أهله، وفي العلاقات التي تتجاوز الاختلافات لتلتقي عند القيم المشتركة من المحبة، والكرامة، والجيرة، وإغاثة المحتاج. ففي المدن التي تحفظ للإنسان مكانته، يصبح الاختلاف مصدر غنى، لا سبباً للفرقة، وتغدو المواطنة مساحةً تتسع للجميع، من دون أن يُضطر أحد إلى التخلي عن هويته أو معتقده.
وإذا كانت أور تحفظ ذاكرة الحضارة، فإن أهوار ذي قار تحفظ ذاكرة الطبيعة والإنسان معاً. هناك، حيث تنعكس السماء على المياه، وتتمايل القصبّات مع نسيم الجنوب، تتجسد علاقة العراقي بأرضه في أبهى صورها. الناصرية التي عرفت بصوتها الثقافي والأدبي، وبحضورها في الوجدان العراقي، وبأهلها الذين حملوا هموم الوطن وأحلامه. مدينةٌ لا تفصل بين حب الأرض والتمسك بالحرية، ولا ترى في الانتماء المحلي نقيضاً للهوية الوطنية، بل تعدّه جزءاً أصيلاً منها.
هنا يقدم المهندس الشاب مقتدى جبار حسين الذي يطلق على نفسه “آيدن” ابن مملكة الطين والقصب، فيديوهات تروي قصص وحكايات ملهمة عن الأرض وروح الحضارات من سومر إلى اليوم، حيث الحديث عن الناصرية هو حديث عن عراقٍ يتجاوز حدود الجغرافيا والطائفة والدين؛ عراقٍ تتكامل فيه المآذن والكنائس والمعابد، وتلتقي فيه آثار الحضارات القديمة مع نبض الحياة المعاصرة. فالناصرية ليست مدينةً تسكن التاريخ فحسب، بل تاريخٌ يسكن الناس، وحضارةٌ تتجدد في ضمائرهم، ورسالةٌ تقول إن الأوطان لا تُبنى بالتشابه، بل بالقدرة على احتضان الاختلاف.