يرى الشاعر والكاتب والمفكر المغربي نصرالدين بوشقيف، المقيم في فرنسا، أن الاحتجاجات الاجتماعية تكشف أزمة ثقة عميقة بين المواطنين والسلطة، فيما يهدد الخطاب المعادي للمهاجرين أسس المواطنة المتساوية. وبوشقيف، الذي تتوزع تجربته بين الشعر والفلسفة والمسرح والفن التشكيلي والترجمة، هو مؤسس مجلة «بوليغلوت» الثقافية والأدبية، وقد صدر له حديثاً كتاب عن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز. وفي هذا الحوار، يناقش الاحتجاجات الفرنسية وتصريحات دونالد ترامب بشأن الهجرة، ويحذّر من تصاعد العنصرية وتراجع الحريات.
السؤال الأول: بصفتك مثقفاً عربياً مقيماً في فرنسا، كيف تقرأ الاحتجاجات في باريس ومدن أخرى؟ وما الذي قد يغيب عن التغطية الإعلامية بشأن مطالب المشاركين فيها؟
نصرالدين بوشقيف:
أودّ، أولاً، أن أُعلن تضامني الكامل مع المتظاهرين في باريس وسائر المدن الفرنسية، ما دامت احتجاجاتهم تنطلق من مطالب اجتماعية مشروعة، ومن إرادة الدفاع عن الكرامة والعدالة والحقوق الأساسية.
ومن أجل فهم أسباب اندلاع هذه الاحتجاجات، ينبغي النظر إلى ما هو أبعد من مشاهد المواجهات التي تتصدر الشاشات. فمنذ وصول إيمانويل ماكرون إلى السلطة، أشهد تدهوراً متواصلاً في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتفاقماً لأزمات أرى أن السلطة لم تعد قادرة على احتوائها أو تقديم حلول حقيقية لها.
إن فرنسا تعيش أزمة عميقة تتجلى في تزايد المديونية، وفي ما أراه ارتهاناً لجزء من قراراتها الاستراتيجية للسياسات الأمريكية، فضلاً عن تخصيص موارد مالية هائلة لدعم المجهود الحربي في أوكرانيا، في وقت يعاني فيه ملايين الفرنسيين من الفقر وتدهور قدرتهم الشرائية، ويعيش آلاف الأشخاص في الشوارع بلا مأوى، محرومين من أبسط شروط الحياة الكريمة.
ولا أطرح هذه المسائل من باب المفاضلة بين معاناة الشعوب، بل من منطلق رفضي أن تتحول الحروب الخارجية إلى أولوية دائمة على حساب الحقوق الاجتماعية للمواطنين.
إن الاحتجاجات لا يمكن اختزالها في مشاهد الفوضى أو أعمال الشغب؛ فهي تعبّر، في جانب أساسي منها، عن غضب اجتماعي متراكم، وعن شعور متزايد بأن المؤسسات لم تعد تصغي إلى المواطنين، وأن الهوة بين الطبقة السياسية وعموم الشعب تتسع يوماً بعد يوم.
أما بشأن التغطية الإعلامية، فأرى أن الصحافة المستقلة والملتزمة بالحقيقة تواجه صعوبات متزايدة، وأن عدداً من المنابر الإعلامية بات أسير مصالح مالية وسياسية أو خطابات أيديولوجية جاهزة.
ولا أقول إن جميع الصحفيين فاسدون، فهذا تعميم غير منصف، لكنني أرفض أيضاً التعامل مع الإعلام السائد بوصفه مرجعاً محايداً لا يجوز مساءلته.
فالصحافة التي تتخلى عن استقلالها، أو تستبدل التحقيق والتدقيق بالتشهير والتحريض، تفقد جوهر رسالتها. وأرى أن بعض البرامج والتغطيات في قنوات مثل BFMTV وCNews تقدم أمثلة على هذا الانحياز.
إن واجبي، بوصفي مثقفاً عربياً يعيش في فرنسا، هو أن أقول ما أراه حقاً، وأن أدافع عن حق الناس في الاحتجاج السلمي، وأن أرفض في الوقت نفسه كل اعتداء على الأشخاص والممتلكات.
فالحرية لا تُصان بإسكات الغاضبين، بل بفهم أسباب غضبهم ومعالجة جذوره.
السؤال الثاني: في التصريح المنسوب إليه، قال ترامب إن الهجرة «حطّمت» فرنسا، ووصف القادمين إليها بأنهم يحملون الكراهية. كيف ترد على هذا التوصيف من واقع تجربتك في المجتمع الفرنسي؟
نصرالدين بوشقيف:
أرفض هذا التوصيف رفضاً قاطعاً، لأنه يقوم، في نظري، على قلب الحقائق وتحميل المهاجرين مسؤولية أزمات لم يصنعوها، بل كانوا في كثير من الأحيان من أكثر المتضررين منها.
لقد أسهم المهاجرون، عبر أجيال متعاقبة، في بناء فرنسا الحديثة وفي نهضتها الاقتصادية والصناعية والعمرانية والثقافية. عملوا في المصانع والمناجم وورش البناء والمستشفيات ووسائل النقل، وشاركوا في الحياة العلمية والفنية والفكرية، ودفعوا من أعمارهم وصحتهم وعرقهم ثمناً باهظاً من أجل ازدهار هذا البلد.
ومن دون هذه المساهمة التاريخية، لكانت فرنسا مختلفة تماماً عما نعرفه اليوم.
أما دونالد ترامب، فأرى أن سجله السياسي وخطابه تجاه الأقليات والمهاجرين يفرضان مساءلة مواقفه بشدة. كما أن سياساته الخارجية والداخلية، ولا سيما دعمه العسكري والسياسي لإسرائيل في ظل ما يشهده الفلسطينيون من قتل ودمار وتهجير، تدفعني إلى التساؤل عن المعايير الأخلاقية التي يستند إليها عندما يتحدث عن الإنسانية والسلام.
إنني أرى في خطابه مثالاً على توظيف الخوف من الآخر لتحقيق مكاسب سياسية. فبدلاً من معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يُقدَّم المهاجر باعتباره خطراً، والمسلم باعتباره موضع شبهة، والإنسان المختلف باعتباره تهديداً للهوية الوطنية.
وهذه، في تقديري، ليست سياسة بريئة؛ إنها تغذية متعمدة للانقسام، وتحويل للتنوع الإنساني إلى أداة للصراع.
وأقول بوضوح إن المهاجرين الذين يعيشون في فرنسا ليسوا غرباء عن هذا البلد. وكثير من أبناء العائلات المهاجرة فرنسيون بالميلاد والنشأة والمواطنة، وفرنسا جزء لا يتجزأ من حياتهم وذاكرتهم ومستقبل أبنائهم.
إنهم يحبون هذا البلد، ويتمسكون بحقهم في العيش فيه بكرامة ومساواة، ولا يحتاجون إلى إثبات وطنيتهم أمام من يجعل من أصولهم ذريعة للطعن في انتمائهم.
ولو واجهت فرنسا يوماً خطراً حقيقياً يهدد شعبها وأرضها، فإن أبناء المهاجرين سيكونون، شأنهم شأن سائر المواطنين، معنيين بالدفاع عنها.
لقد أثبت التاريخ أن أبناء المستعمرات والمهاجرين شاركوا في الحروب التي خاضتها فرنسا، وسقط منهم آلاف القتلى في الحربين العالميتين، وفي مقاومة النازية، وفي معارك لم تكن دائماً حروباً اختاروها بأنفسهم.
فكيف يُمحى هذا التاريخ، ثم يُطلب من أحفاد أولئك الذين ضحوا بحياتهم أن يبرهنوا، مرة بعد أخرى، على أنهم يستحقون العيش والانتماء إلى فرنسا؟
إنني أرفض أن تتحول الذاكرة التاريخية إلى انتقائية تخدم الخطاب القومي الضيق؛ فلا يجوز استحضار تضحيات المهاجرين حين تكون فرنسا في حاجة إليها، ثم التنكر لهم حين يطالبون بالمساواة والاعتراف.
وأرى أن خطاب ترامب المعادي للمهاجرين والمسلمين يمثل جزءاً من نزعة سياسية أوسع تسعى إلى جعل العنصرية أمراً عادياً ومقبولاً في المجال العام.
إنني أرفض ازدواجية المعايير هذه، وأرفض أن تصبح حياة الإنسان العربي أو المسلم أقل قيمة من حياة غيره.
السؤال الثالث: كيف ينعكس خطاب تحميل المهاجرين مسؤولية الأزمة على العرب المقيمين في فرنسا، خصوصاً الشباب الذين وُلدوا ونشؤوا فيها؟
نصرالدين بوشقيف:
إن تحميل المهاجرين مسؤولية الأزمات الفرنسية ليس ظاهرة جديدة، بل هو أسلوب سياسي قديم تلجأ إليه قطاعات من اليمين واليمين المتطرف، وأحياناً بعض الشخصيات المحسوبة على اليسار، كلما عجزت عن تقديم إجابات مقنعة عن المشكلات الحقيقية التي تواجه المجتمع.
وعندما تقترب الانتخابات، يتصاعد هذا الخطاب عادةً، لأن إثارة الخوف من المهاجرين أسهل سياسياً من مواجهة أسباب البطالة والفقر وتدهور الخدمات العامة واتساع الفوارق الاجتماعية.
إنني أرى في هذا السلوك محاولة للتهرب من المسؤولية، وإعادة إنتاج كبش فداء يُحمَّل أوزار إخفاقات لم يكن سبباً فيها.
وبدلاً من مساءلة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، يجري توجيه الغضب الشعبي نحو العرب والمسلمين والأفارقة، وكأن لون البشرة أو الاسم أو الدين هو الذي صنع المديونية وأضعف المدارس وأفقر المستشفيات وأرهق الأسر الفرنسية.
أما الشباب الفرنسيون من أصول عربية، فإنني أرى فيهم طاقة فكرية واجتماعية وثقافية لا يجوز الاستهانة بها.
إن كثيرين منهم وُلدوا في فرنسا، وتعلّموا في مدارسها، وتحدثوا لغتها، وتشكّل وعيهم داخل مجتمعها. إنهم ليسوا ضيوفاً ينتظرون إذناً بالبقاء، بل مواطنون كاملو الحقوق، لهم الحق في المشاركة في صياغة مستقبل بلدهم، وفي المطالبة بالمساواة والعدالة والاعتراف.
وما يبعث على الأمل هو أن قطاعات واسعة من هذا الجيل ترفض الخضوع للإذلال أو القبول بالتمييز بوصفه قدراً محتوماً.
إنها تتمسك بهويتها المتعددة من دون أن ترى فيها تناقضاً مع مواطنتها الفرنسية.
وأنا لا أعتقد أن على الإنسان أن يتخلى عن جذوره كي يصبح فرنسياً، أو أن يخفي اسمه أو دينه أو ذاكرته العائلية كي يحظى بالاحترام.
فالمواطنة ليست عملية محو للهوية، بل عقد يقوم على الحقوق والواجبات والمساواة أمام القانون.
وأقول لهؤلاء الشباب إن من حقكم أن تطالبوا بمكانكم في المجتمع، وأن ترفضوا العنصرية من دون أن تنجروا إلى كراهية مضادة.
إن قوتكم الحقيقية تكمن في المعرفة والتنظيم والمشاركة المدنية والثقافية والسياسية، وفي تحويل مطالبكم إلى مشروع ديمقراطي واضح يدافع عن حقوق الجميع.
وأعتقد أن صعود هذا الجيل واستقلاليته وقدرته على مساءلة الخطاب السائد يثير مخاوف لدى التيارات القومية المتطرفة والفاشية أينما ظهرت.
لكنني أرفض اختزال المشهد السياسي كله في معسكرين متجانسين؛ فالعنصرية والإقصاء قد يظهران في اتجاهات مختلفة، ويجب أن نحكم على المواقف والممارسات بمعايير واضحة، لا بمجرد الانتماءات المعلنة.
إن فرنسا التي أتطلع إليها هي فرنسا التي لا يُعامل فيها المواطن بحسب أصوله، ولا يُقاس انتماؤه بلون بشرته، ولا تصبح عقيدته سبباً للريبة أو الإقصاء.
وأؤمن بأن أبناء هذا الجيل قادرون على الإسهام في بناء هذه فرنسا، شريطة أن تتاح لهم فرص متكافئة، وأن تتوقف محاولات تحويلهم إلى متهمين دائمين في وطنهم.
السؤال الرابع: كيف يمكن للمثقفين والجمعيات العربية إيصال رؤيتهم للأحداث والدفاع عن حقوقهم، مع دعم المطالب الاجتماعية السلمية ورفض أعمال العنف؟
نصرالدين بوشقيف:
أود أن أؤكد أنني أميّز بوضوح بين الاحتجاج السلمي، بوصفه حقاً ديمقراطياً أصيلاً، وبين أعمال العنف والتخريب التي قد ترافق بعض المظاهرات.
ففي تجارب احتجاجية كثيرة، نرى الغالبية تشارك من أجل المطالبة بحقوق مشروعة، بينما ترتكب مجموعات محدودة أعمالاً تضر بالمشاركين أنفسهم وتمنح خصومهم فرصة لتشويه مطالبهم.
وقد تثار، في بعض الحالات، تساؤلات مشروعة بشأن وجود محرضين أو متسللين يسعون إلى تأجيج المواجهات؛ لكنني أرى أن مثل هذه الاتهامات تحتاج إلى أدلة وتحقيقات مستقلة، ولا يجوز تحويلها إلى أحكام مسبقة.
إنني أرفض العنف والتخريب أياً كان مصدرهما، كما أرفض استخدامهما ذريعة لإدانة حركة احتجاجية بأكملها أو لتجريد المواطنين من حقوقهم.
فلا يجوز أن تتحول أفعال أفراد إلى تهمة جماعية، ولا أن يُحمَّل المهاجرون مسؤولية كل اضطراب يقع في الشارع الفرنسي.
غير أن ما شهدناه في السابع عشر من أكتوبر كان، بحسب ما أثارته مشاهد الإصابات الخطيرة، أمراً بالغ الخطورة ومؤلماً إلى حد لا يُحتمل.
إن رؤية أطفال وشبان يتعرضون لإصابات مروعة، أو يصابون بعاهات دائمة، بسبب استخدام أسلحة أو وسائل قمع خطيرة، تثير في نفسي، كما تثير في نفوس كثير من الآباء والأمهات، خوفاً حقيقياً على مستقبل الحريات في فرنسا.
ولا يجوز أن نتعامل مع هذه الوقائع باستخفاف، أو أن نبررها باسم حفظ النظام قبل أن نعرف الحقيقة كاملة.
وأنا لا أتهم جميع أفراد الشرطة بالعنف أو العنصرية، ولا أقبل التعميم على جهاز كامل.
لكنني أرى أن أي مؤشرات على وجود ممارسات عنصرية أو استخدام غير متناسب للقوة يجب أن تخضع لتحقيق مستقل وشفاف، وأن يُحاسَب كل من يثبت تجاوزه للقانون، مهما كانت صفته أو رتبته.
فالدولة الديمقراطية لا تُقاس بقدرتها على فرض النظام فحسب، بل بقدرتها على حماية المواطنين من التعسف، وضمان حقهم في التظاهر، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
إنني أخشى، بصفتي مثقفاً وأباً ومواطناً يعيش في فرنسا، من أن يتحول الانزلاق نحو السلطوية إلى أمر مألوف، وأن تتراجع الحريات تدريجياً تحت ضغط خطاب أمني يقدم القمع بوصفه الحل الوحيد.
كما أخشى أن تتغذى النزعات الفاشية من خطاب سياسي وإعلامي يجعل العربي والمسلم والأفريقي مواطناً من درجة أدنى، أو يصور وجوده في المجتمع باعتباره مشكلة ينبغي التخلص منها.
ولهذا أرى أن فرنسا بحاجة إلى مراجعة عميقة لخطابها السياسي وممارساتها المؤسسية، وإلى القطع مع كل تصور استعماري أو عنصري ما زال ينظر إلى الإنسان العربي أو الأفريقي أو المسلم باعتباره أقل شأناً أو أقل استحقاقاً للحقوق.
وأجد نفسي مضطراً إلى التعبير عن قلقي من تنامي خطاب الكراهية والعنصرية والإسلاموفوبيا في بعض الأوساط السياسية والإعلامية، بما في ذلك دوائر قريبة من اليمين واليمين المتطرف.
وأقصد بذلك، ضمن من أوجّه إليهم النقد، شخصيات سياسية مثل برونو روتايو ومارين لوبان وإريك زمور، وشخصيات إعلامية وفكرية مثل ميشال أونفري وألان فينكيلكروت وبرنار هنري ليفي وفانسون بولوري.
وأنا أختلف مع مواقف هؤلاء أو أرى أن خطابهم يسهم، في جوانب منه، في تأجيج الانقسام حول الهجرة والإسلام والهوية.
لكن نقد الشخصيات العامة حق مشروع، شرط أن ينصب على الأقوال والمواقف والسياسات المعلنة، لا على إطلاق أحكام مطلقة على النيات أو استبدال الحجة بالإهانة.
وفي هذا السياق، أؤكد أن المثقفين والجمعيات العربية مطالبون بالقيام بدور أكثر فاعلية في الفضاء العام.
عليهم أن يوثقوا الانتهاكات، وأن يدعموا الضحايا، وأن يتعاونوا مع المحامين والصحفيين المستقلين ومنظمات حقوق الإنسان، وأن ينظموا لقاءات وحوارات تتيح للمواطنين التعبير عن مطالبهم بعيداً عن التشويه والتحريض.
كما ينبغي لهم أن يشاركوا في النقاشات العامة باللغة الفرنسية، وأن ينقلوا أصوات الأحياء والمدارس والأسر التي لا تجد دائماً من يصغي إليها.
ومن الضروري أيضاً أن ندافع عن المطالب الاجتماعية الملموسة: تحسين أوضاع المدارس، وتوفير المدرسين، وتأهيل البنية التحتية، وضمان التدفئة اللائقة في الفصول، وصيانة المباني المتداعية، وتحقيق المساواة في فرص التعليم والعمل والسكن.
فهذه ليست مطالب فئة بعينها، بل حقوق أساسية تتعلق بمستقبل المجتمع الفرنسي كله.
وأريد أن أؤكد أن العرب والمسلمين والأفارقة الذين يشاركون في الاحتجاجات، ومنهم مواطنون فرنسيون، ليسوا غرباء عن فرنسا. إنهم يطالبون بأن يعيشوا بكرامة مثل بقية المواطنين، وأن يتلقى أبناؤهم تعليماً جيداً، وأن يجدوا مدارس مجهزة ومدرسين متاحين ومرافق عامة تحترم الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة.
إنهم لا يطالبون بامتيازات خاصة، بل بتطبيق المبادئ التي تقول الجمهورية إنها تقوم عليها.
وهم يحلمون بفرنسا عادلة وديمقراطية وحرة، تتسع لجميع أبنائها، وتحمي اختلافاتهم بدلًا من تحويلها إلى أسباب للصراع، وتؤسس لعلاقات تقوم على الاحترام المتبادل والتضامن والتعايش السلمي.
وأنا أقولها بوضوح: لن أقبل أن يصبح الصمت ثمناً للاندماج، أو أن تصبح المساومة على الكرامة شرطاً للمواطنة.
سأواصل الدفاع عن الحق في الاحتجاج السلمي، وعن استقلال الفكر، وعن كرامة المهاجرين والمواطنين من أصول عربية وأفريقية وغيرها، بغض النظر عن معتقداتهم أو انتماءاتهم الإثنية والدينية، وعن حق كل إنسان في أن يُعامل بوصفه إنساناً كامل الحقوق.
إن مواجهة النزعات الفاشية لا تكون بإعادة إنتاج الكراهية، بل بالتمسك بالحقيقة والعدالة والمساواة، وبمقاومة العنصرية أينما ظهرت، وبالدفاع عن المؤسسات الديمقراطية والحريات العامة.
وهذه، بالنسبة إليّ، ليست مسألة انتماء عرقي أو ديني، بل مسألة مبدأ وضمير ومسؤولية تاريخية.
إنني أريد فرنسا التي لا يخاف فيها الطفل بسبب اسمه أو لون بشرته، ولا يشعر فيها الشاب المسلم أن عليه الاعتذار عن وجوده، ولا يُترك فيها الفقير لمصيره، ولا تُقمع فيها الأصوات المطالبة بالعدالة.
أريد فرنسا التي تحترم تاريخها بكل تناقضاته، وتواجه ماضيها الاستعماري بشجاعة، وتبني مستقبلها على المساواة والحرية والتضامن.
وسأظل متمسكاً بهذا الموقف، بصدق فكري وحزم لا يتزعزع: لا للعنصرية، لا للإسلاموفوبيا، لا للفاشية، ولا لأي سلطة تتوهم أن بإمكانها إخضاع المواطنين بالتخويف أو إسكاتهم بالقوة.
نعم للعدالة الاجتماعية، نعم للديمقراطية، نعم لحرية التعبير، ونعم لفرنسا التي يكون فيها مكان للجميع، من دون تمييز أو إذلال أو إقصاء.
