في ذكرى رحيل شاعر المحبة والسلام رسول حمزاتوف || حين ترحل القصائد ويبقى الوطن في قلب الكلمات
خاص | مدار24
سلامٌ على رسول حمزاتوف، الشاعر الذي جعل من داغستان قصيدة، ومن القصيدة وطناً، ومن الغياب جناحين لا يزالان يحلّقان في سماء الأدب الإنساني.. سلام على شاعر ترك في ذاكرة العالم نوافذ مفتوحة على أوطانهم، وأصواتاً لا يطفئها الغياب. هكذا كان رسول حمزاتوف، الشاعر الداغستاني الذي حمل جبال بلاده في قلبه، وجعل من الكلمات جسراً بين الإنسان وأرضه، وبين الحب والذاكرة، وبين الحياة وما يتركه الرحيل خلفه.
في استذكار رحيله، لا نستعيد شاعراً غاب عن الحياة بقدر ما نستعيد روحاً آمنت بأن الشعر ليس ترفاً لغوياً، بل حكاية الإنسان حين يعجز الكلام العادي عن احتواء مشاعره. كان حمزاتوف ابن داغستان، لكنه لم يحبس قصيدته في حدود الجغرافيا؛ كتب عن الأم والوطن والحب والسلام، وعن الإنسان الذي يبحث عن مكان آمن في عالم تتنازعه الحروب والخيبات.
من جبال القوقاز الشامخة، انطلقت قصائده لتصل إلى قلوب بعيدة، حاملة دفء الأرض وصدق الانتماء. وفي قصيدته الشهيرة «الرافعات»، تحوّل الحزن على الذين رحلوا في الحروب إلى صورة شعرية خالدة، كأن أرواح الراحلين لم تغادر السماء، بل اتخذت من أسراب الطيور طريقاً للعودة إلى ذاكرة الأحياء.
كان رسول حمزاتوف يعرف أن الأوطان لا تسكن الخرائط وحدها، بل تسكن اللغة والأغاني ووجوه الأمهات وحنين المغتربين. لذلك ظل وفياً لداغستان، يكتبها كما تُكتب القصص الأولى، بحب لا يحتاج إلى تبرير، وبحنين لا تستطيع المسافات إخماده.
رحل حمزاتوف في الثالث من نوفمبر عام 2003، وذلك بعد أقل من شهرين من احتفال الأوساط الأدبية والثقافية في روسيا وداغستان بعيد ميلاده الثمانين في ٨ أيلول من نفس العام. لكن الشعراء الذين يكتبون من أعماق الروح لا يغادرون تماماً؛ فهم يتركون خلفهم كلمات تتحول مع الزمن إلى ذاكرة جماعية، وتظل قصائدهم قادرة على مواساة الحزانى، وإيقاظ الحنين، وتذكير العالم بأن أجمل ما في الإنسان هو قدرته على الحب رغم كل ما يفقده.
رحل جسدا لكن روحه وأشعاره وطُرفه الظريفة، بقيت حيّة تعيش وتواصل البقاء والانتشار عند الكثير من الناس وفي الكثير من البلدان على امتداد كوكب الأرض، التي لطالما شعر بالخوف عليها من الساسة المجرمين سفّاكي الدماء ومن وأصحاب الرؤوس الحامية.
_____________________________
▪️من أشعار رسول حمزاتوف، قصيدة بترجمة : إبراهيم استنبولي
بعدَ أنْ أنتقلَ إلى الحياةِ الآخرة،
سوفَ ألتقي أبي وأمّي مِن جديد!
لن نؤجِّلَ الحديثَ إلى “فيما بعد”…
– كيف هي الحالُ على الأرض؟
أمَّا أنا فَ لن أُجيب…
كيف للمؤمنِ أنْ يقولَ لهم الحقيقة؟
بل كنتُ أفضّل لو أنّني وُلِدتُ أخرسَ.
حين سَأجدُ نفسي في الحياة الآخرة،
سوف ألتقي بإخوتي الذين قَتَلَتْهم الحرب:
– كيف هي البلادُ، إذًا؟
كيف هو حالُ الوطن؟
وكيف هو حالُ البيت؟
ستنشأ عندي رغبةٌ لِأَوّلِ مرّةٍ بأن أكذبَ عليهم؛
إذ كيف يمكنني أنْ أقولَ لِمَن سقَطَ في معارك دامية أنّ بلاده لم تعدْ موجودة؟
حين سأصبحُ في تلكَ الحياة الآخرة،
حيثُ سألتقي مع أصدقاءٍ أعزّاء،
وإذ سيعرفونني بعد جهدٍ جهيد،
سوف يغمرونني بالأسئلة، كما لو أنّها أزهار:
– أين هي الحياةُ أفضل:
على الأرضِ أم ها هنا؟
هيا أَجبْ…
لن أجرؤَ إذ ذاك على النظرِ في أعينهم.
