ليلة أدبية في قلب طهران | الإيرانيون يحتفون بفارس الرواية العربية عبدالرحمن منيف

متابعة | مدار24

في مشهد ثقافي تتجاوز فيه الكلمات حدود الجغرافيا والاختلافات، احتضنت العاصمة الإيرانية طهران ليلة أدبية استحضرت تجربة الروائي العربي الكبير عبدالرحمن منيف، أحد أبرز أعمدة الرواية العربية الحديثة، في احتفاء يعكس حضور الأدب العربي في الذاكرة الثقافية الإيرانية، وقدرته على بناء جسور التواصل بين الشعوب.

وقد نظمت دار عبارات للنشر أمسية ادبية تكريمية في بيت الفنانين الإيرانيين، تكريما للروائي السعودي الراحل عبدالرحمن منيف، صاحب خماسية مدن الملح.

لم تكن المناسبة مجرد استعادة لاسم كاتب رحل عن عالمنا، بل عودة إلى مشروع روائي ترك بصمته العميقة في الوجدان العربي، وفتح نوافذ واسعة على قضايا الإنسان والسلطة والحرية والهوية، عبر سرد أدبي امتلك شجاعة الاقتراب من المسكوت عنه، والغوص في التحولات الاجتماعية والسياسية التي صنعت ملامح المنطقة.

كان عبدالرحمن منيف، المولود في عمّان عام 1933، أكثر من مجرد روائي؛ فقد كان شاهداً أدبياً على زمن عربي مضطرب، حملت أعماله أسئلة الإنسان في مواجهة القهر والمنفى والتحولات الكبرى. ومن خلال رواياته، استطاع أن يمنح المهمشين صوتاً، وأن يحوّل التفاصيل اليومية إلى شهادات أدبية على تاريخ المنطقة.

وتبقى خماسية «مدن الملح» واحدة من أبرز العلامات الفارقة في تجربته الإبداعية، إذ قدم من خلالها عالماً روائياً واسعاً يرصد التحولات العميقة التي أحدثها اكتشاف النفط في المجتمعات الخليجية، وما رافق ذلك من تبدلات في البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. كما رسخت روايات مثل «شرق المتوسط» و«الأشجار واغتيال مرزوق» مكانته بوصفه كاتباً جعل من الرواية مساحة لمساءلة الواقع وكشف أوجاع الإنسان.

ولعل اختيار منيف موضوعاً لاحتفاء أدبي في طهران يحمل دلالة تتجاوز حدود التكريم؛ فالرواية، حين تعبر من لغة إلى أخرى، لا تنقل الحكاية وحدها، بل تحمل معها ذاكرة مجتمع وتجارب أجيال وأسئلة إنسانية مشتركة. وهنا تلتقي التجربتان العربية والفارسية في فضاء الأدب، حيث لا تكون الحدود السياسية والثقافية عائقاً أمام التفاعل الإبداعي.

إن استحضار تجربة عبدالرحمن منيف في قلب طهران يعيد التأكيد على أن الأدباء الكبار لا ينتمون إلى جغرافيتهم وحدها، بل إلى الذاكرة الإنسانية الأوسع؛ فالأسماء التي تكتب بصدق عن الإنسان تظل قادرة على الوصول إلى قراء لا تجمعهم اللغة، وإنما تجمعهم الأسئلة ذاتها.

رحل منيف في باريس عام 2004، لكن عوالمه الروائية بقيت مفتوحة على أجيال جديدة من القراء. وكأن تلك الليلة الأدبية تقول إن بعض الكتّاب لا يغادرون حين تتوقف أنفاسهم، بل يواصلون الحياة في صفحات كتبهم، وفي ذاكرة المدن التي تقرأهم، حتى وإن كانت بعيدة آلاف الأميال عن أوطانهم.

عبدالرحمن منيف لم يكن مجرد فارس للرواية العربية؛ كان صوتاً أدبياً جعل من الحكاية ذاكرة، ومن الكلمة موقفاً، ومن الرواية وطناً لا تحدّه الحدود.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.