شارلوت موتسارز : أيقونة التمرد الأدبي التي ترفض “القداسة” وتغني للضلال
هولندا | خاص _ مدار 24
في المشهد الثقافي الهولندي، تبرز شارلوت موتسارز (Charlotte Mutsaers) كقوة لا يمكن تصنيفها أو تدجينها. الكاتبة والفنانة التي بلغت عامها الثالث والثمانين، تعود اليوم بعد غياب تسع سنوات برواية جديدة تحمل عنواناً يحمل فلسفتها الخاصة: “يجب أن تضل الطريق” (Moet dwalen). ومن خلال هذا الحوار، تعيد موتسارز التأكيد على أنها ليست مجرد روائية، بل هي “حالة إبداعية” ترفض الانصياع لروح العصر أو التجميل الزائف للواقع.
▪️من هي شارلوت موتسارز؟
ليست موتسارز مجرد اسم عابر في القائمة الأدبية، بل هي مبدعة شاملة جمعت بين ريشة الرسم وقلم الكتابة. وُلدت عام 1942، وشقت طريقها في عالم الفن التشكيلي قبل أن تقتحم الأدب، مما جعل نصوصها مشبعة بالصور البصرية القوية. عُرف عنها دائماً ابتعادها عن “الأدب النسائي” التقليدي؛ فهي تفتخر بأن نقاداً وصفوا نثرها بأنه “ذكوري، صلب، وذو عضلات”، معتبرة هذا الوصف أرقى أنواع الإطراء لأنه يحرر كتابتها من قيود التوقعات الجندرية.
▪️فلسفة “الضلال” في روايتها الجديدة
في روايتها الأخيرة، تأخذنا موتسارز إلى عمق غابة فرنسية، حيث لا يضل بطلا الرواية طريقهما في الجغرافيا فحسب، بل يغرقان في “ضلال” عاطفي ونزاعات زوجية حادة تكشف عن عورات العلاقات الإنسانية. بالنسبة لموتسارز، “الضلال” ليس تيهاً سلبياً، بل هو ضرورة وجودية؛ إذ تؤمن بأننا لا نكتشف حقائقنا الكبرى إلا عندما نفقد الطريق المستقيم الذي رسمه لنا المجتمع.
▪️حزن شخصي يلون الصفحات
خلف هذه الصلابة الأدبية، تعيش موتسارز فترة مثقلة بالفقد، وهو ما أضفى على الرواية مسحة من الشجن الواقعي:
* خسارة السند: واجهت موتسارز رحيل شقيقتها، ثم صدمة وفاة مؤرخ سيرتها الذاتية وصديق عمرها “يان فونتين”.
* رحيل “لولا”: تصف بمرارة كيف فقدت كلبتها الوفية “لولا” قبل أيام من إجراء هذه المقابلة، معتبرة إياها “شريكة حياة” حقيقية، حتى أنها كتبت على فيسبوك: “كأنني أنا من مت”.
* الريشة والألم: هذا الحزن لم يتوقف عند الكلمات، بل تجسد في غلاف الرواية الذي رسمته بنفسها، ليصبح الغلاف مرآة بصرية لحالة التيه والفقد التي تسكن النص.
▪️”لسنا قديسات”: نقد الذات والآخر
تحت عنوان “دعونا لا نتظاهر بأن النساء قديسات”، تشن موتسارز هجوماً على فكرة وضع المرأة في إطار أخلاقي مثالي. هي تدعو إلى رؤية المرأة ككائن بشري يخطئ، يضل، ويملك جوانب “غير مقدسة”، تماماً كما تفعل هي في كتابتها التي تتسم بالصدق الجارح والوضوح التام.
▪️طقوس “النساجة” الصارمة
رغم تقدمها في السن، لا تزال موتسارز تعمل بدقة جراح؛ فهي تقضي أربع ساعات يومياً في الكتابة، وتراجع كل جملة عشرات المرات. هذا البطء في الإنتاج هو ما يجعل من كل كتاب لها “حدثاً ثقافياً” يستحق الانتظار، فهي لا تكتب لتملأ الصفحات، بل لتبني عالماً متكاملاً لا يجرؤ أحد غيرها على دخوله.
تظل شارلوت موتسارز في روايتها “يجب أن تضل الطريق” صوتاً متمكناً يذكرنا بأن الأدب الحقيقي هو الذي يجرؤ على أن يضل الطريق بعيداً عن السائد، باحثاً عن الجمال في قلب الحزن، وعن الحقيقة في قلب الضياع.
