تعرف على شعب الهونزا .. مجتمع غريب في بلد أكثر غرابة

محمد الحسين | تقرير خاص بمدار 24

شعب الهونزا، أو قبائل الهونزا، والذي اشتهر عنهم بأنهم عوائل يرجع نسبهم إلى نسل جيش الأسكندر الأكبر وهي رواية استبعدها كثير من الباحثين، هم شعوب مسلمة “إسماعيلية” تعيش في سفوح الجبال، والهونزا في لغة بروشكي (لغتهم الرسمية غير المكتوبة) تعني السهم أو القوم المتماسكون كالسهم، الأسم الذي يعطي دلالة عن شعب مترابط ومتماسك في كل شيء، ورغم ما يواجهه من صعوبة في الأرتباط بالعالم الذي حوله، كنموذج فريد للوحدة والعزلة الكافية.

في وادي يدعى “وادي الخالدين” تقع مملكة “الهونزا” وعاصمتها “كريم آباد” في اقصى شمال الهند، وبنقطة تتلاقى فيها كل من روسيا مع الصين والهند ومملكة التبت، تعيش هذه الشعوب التي يظن أنهم من اصول اغريقية، أو ارية او ايرانية او تركية، والمتفق عليه انهم شعوب اسيوية وليسو اوربيين، في شمال باكستان وفي منخفضات بالقرب من سلسلة جبال كراكوم. إن شعوب الهونزا سواء كانوا من نسل طوراني تركي او آري إيراني، فأنهم في الأخير شعوب آسيوية، وليسوا من نسل أوربي أو أغريقي.

يعتمدون في غذائهم على فاكهة المشمش، ولا توجد لديهم سجون، وغالبا ما يعمرون للمئة، ويعيشون في مناطق معزولة تماما عن العالم الخارجي، لا يلتقون بالشعوب المجاورة لهم ولا يتحدثون مع الآخرين من الأجانب، وثمة عادات غريبة أخرى تميزهم، وصفات بشرية تميز وجوههم عن بقية وجوه البشر في آسيا. كما يتميز شعوب الهونزا باعدادهم القليلة لأنهم لا يتزوجون أكثر من امرأة واحدة ولا ينجبون أكثر من ثلاثة أطفال وهو تقليد يتمسكون به، ان رجال الهونزا وحتى نسائهم يتميزون بالشجاعة والاستقامة والسلوك الحسن في مواصفات تشبه الصخور في طبيعتها، ويعيشون بتجلد وثبات رغم قسوة الحياة وهم شديدين التعلق بارضهم وهذا ما يميز صخور الهونزا ورجالها على حد سواء.

يمتلك كل مزارع هونزاكي ما لا يقل عن شجرة واحدة، والرجل الذي يبيع أرضه هو كمن يبيع أولاده. وقد لاحظ الباحثين أن أعمار الهونزاكيين طويلة حيث يبلغ متوسط أعمار أفراد قبائل الهونزا في ما بين 120 – 140 سنة، ولمعرفة سر هذا الأمر، قام العلماء بالعديد من الأبحاث التي تناولت طريقة حياتهم وما يأكلون وما يشربو، فهم من النادر جدا يتناولون اللحوم، كما يتمتع شعب الهونزا بالقامة الطويلة، والبشرة الفاتحة وهم يشبهون الشّعب الإغريقي. 

بعد ألفي عام من العزلة، وبعد ٨٣ عاما من الاستعمار البريطاني لهم، حصل ما لم يكن في حسبان مملكة الهونزا، ففي عام 1974م حدث ما كسر عزلتهم، أذ أصدر رئيس الوزراء الباكستاني “ذوالفقار علي بوتو” قرارا باخضاع مملكة الهونزا للسلطة الإدارية لحكومة باكستان، وذلك بعد إن كانوا يعيشون في عزلة لا يربطهم شيء مع العالم حتى عام 1978 عندما تم افتتاح طريق كراكورام الدولي، في الوقت الذي كان لا يربطهم مع الخارج سوى ممرات جبلية ضيقة وطرق مشاة وعرة.

كانت شعوب الهونزا تحكمهم أسرة واحدة طوال ألف عام قبل أن يختلف أفراد الأسرة ويقسمو المملكة بين هونزا ونجرا ولكنت بقت الهونزا إلى يومنا هذا هي الأقوى، أما رئيس وزراء باكستان ذو الفقار على بوتو فقد أنهى حكم المملكة الهونزاكية وذلك عام 1974م، عندما اخضعهم لسلطته الإدارية لحكومة باكستان، وأنهى حكم الباشوات والامراء وقضى على استقلالهم.

يتكون شعب الهونزا والذي يبلغ تعدادهم نحو أكثر من 87 ألف نسمة من خمس عشائر هي : البورونغ، الديرامايتنغ، الباراتالنغ، الكوروكوش، والبوروشو، وقد سميت بهذه الاسماء تيمناً بالأسلاف المؤسسين، ويشكل البوروشو حوالي 70% من سكان الهونزا، وتعتبر قبيلة البورونغ القبيلة الثانية في وسط الهونزا بعد قبيلة ديرامايتنغ من حيث النفوذ.

تضم منطقة الهونزا 12 نهرا جليديا يتجاوز طول بعضها الخمسين ميلا، وتضم الهونزا نحو ٤٤ قرية يوزعون لثلاث مقاطعات الأولى هونزا العليا وهي على الحدود الصينية ولغتهم “واخي” والثانية هونزا السفلى وهي بالقرب من باكستان ويتحدث أهلها لغة “شينا” اما هونزا الوسطى فلغتهم “بروشكي” وهي اللغة الرسمية لجميع مناطق هونزا ويتحدثها أكثر من نصف السكان. وجميع قراهم مسماة بأسماء الائمة الأولياء من الطائفة الإسماعيلية مضاف إليها اللاحقة المكانية “آباد” في اللغات الهندواوربية والتي تعني موطن.

الهونزاكيين لا يتناولون سوى الأطعمة التي يزرعونها. ويأكلون الفاكهة والخضار النيئة والبذور الزيتية، بالاضافة الى الكثير من المشمش المجفف، ومجموعة متنوعة من الحبوب (كالحنطة السوداء والشعير)، والبقوليات والقليل من الجبنة والحليب والبيض، يمشون كثيرا ولكنهم يأكلون القليل، وجباتهم مقتصدة وقليلة، ونادراً ما يتناولون اللّحوم.

وقد فسر أحد المتخصصين في دراسات الشعوب، رالف بيرشر، في كتابه “هونزا”، أنّ سكان هذا الشعب هم “الناس الذين لا يعرفون المرض”، متحدثاً عن بعض المعلومات المهمة المتعلقة بنظامهم الاساسي : فتقريباً هم نباتيين، ويستهلكون كمية كبيرة من الأطعمة النيّئة، ويتألف معظم نظامهم الغذائي من الخضار والفاكهة، لا بشربون الكحول أبداً، ولا يتناولون السكر كمل أن استهلاكهم للملح معتدل جداً، واضافة الى ذلك هم يصومون بانتظام، ولفترة ممتدة بين الشهرين والأربعة أشهر، لا يأكلون شيئاّ. بل يشربون فقط عصير المشمش المجفف. 

وقد وضع الدكتور البريطاني “McCarrison”، قائمة تضم الأمراض التي لا يصاب بها شعب الهونزا، وهي:
“السرطان، وقرحة المعدة، والتهاب الزائدة الدودية، والقولون، بالاضافة الى انهم لا يعانون من حساسية لانطباعات البطن والأعصاب والإرهاق والقلق والبرد”.
من جهته، أكمل الدكتور الالماني توبي، هذه القائمة، مضيفاً اليها عدم الشعور بالامراض التالية: “حالات الصفراوية أو حصى الكلى، وأمراض القلب التاجية وارتفاع ضغط الدم، والآفات الوعائية والتخلف العقلي وشلل الأطفال والتهاب المفاصل، اضافة الى السمنة والسكري وقصور الغدة الدرقية.

فعادتهم في استهلاك كميات كبيرة من المشمش ربما يساهم بشكل كبير في حمايتهم من الأورام. وذلك، لأن حبات المشمش غنية بفيتامين B17 الذي له خصائص مضادة للسرطان، ومن خلال نواتها، يصنعون الزيوت، ولكن بكميات قليلة لأن بإمكانها أن تشكل خطراً. وامتلاك العائلة للكثير من شجر المشمش، يشكل مصدر هيبة لهم.

وبالكاد تشهد مقاطعة كراكوم التي يقطنها شعب الهونزا أية جرائم، رغم وجودهم في منطقة قريبة جدا من اقليم كشمير المتنازع عليه بين الهند وباكستان، والذي شهد على مدار التاريخ الحديث الكثير من الحروب واعمال العنف واﺷﺘﺒﻜﺎت ﻣﺘﻜﺮرة بين اﻟﺠﻤﺎﻋﺎت المسلحة في البلدين.

وبالعودة إلى طريق كراكورام الذي يعتبره الباكستانيون من عجائب الدنيا ويعدونه ثامن العجائب، فكراكورام او قراقرم في اللغة الاردية الباكستانية تعني الصخرة السوداء المشتتة، وهو اسم اطلق على تلال الصخور الواقعة في المنطقة منذ زمن بعيد، وقد أنشأ طريق الكوراكرام خلال فترة ١٨ عاما بكلفة مليار دولار واستخدمت فيه نحو ٨ الاف طن من المتفجرات لاختراق الصخور، وراح ضحيته أكثر من اربعمئة عامل شاركت فيه حشود مؤلفة من الباكستانيين والصينيين، وذلك في مشروع ارعب مملكة الهونزا، ليصبح نقطة تحول في تاريخهم ويربط شعوب الهونزا مع العالم الخارجي.

مقالات قد تعجبك
1 Comment
  1. Natalie1317 علق

    Earn your airdrop on Aster https://is.gd/ZceEI6

اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.