“ستهجرنا الكلمات” ومغامرة العبور بين الأجناس

محمد الحسين | مدار 24

عن دار “أبجد” العراقية، وبإشراف المترجم حسين نهابة، يطلّ علينا مؤخراً اشتغالٌ أدبيٌّ يمتلك فرادة “الاستقطار”، حمل وسم “ستهجرنا الكلمات”. هذا الكتاب ليس مجرد مختارات، بل هو فعلُ استبطانٍ نقديّ وجماليّ، اجترحه المترجم والكاتب محمد الأمين، وهو يسعى إلى اصطياد “اللحظة الشعريّة المارقة” من صلب المتون النثرية للروائي عبد الهادي سعدون.

 

▪️صفاء المعنى واقتصاد اللغة

ينهض الكتاب على مئة وإحدى عشرة شذرة، تمّ انتخابها بعناية فائقة لتشكل جنساً أدبياً يترسم خطى الحداثة في نزوعها نحو “الجوهر” واقتصادها في “اللغة”. إنها محاولة لترميم المسافة بين إسهاب السرد وإيجاز الحكمة، حيث تتحول العبارة النثرية الممتدة عند سعدون، بفضل “مِبضع” الأمين، إلى نصوص قصيرة مشحونة بكثافة الوجود، ومحمولة على جماليات بصرية صاغها الفنان مرتضى الجصاني وصممها الفنان كريم سعدون.

 

▪️الانقداح من “الفضاء المشحون”

يفصح محمد الأمين عن منشأ هذا المشروع، عائداً به إلى قراءته لقصة “مصارعة الثيران” لعبد الهادي سعدون. هناك، حيث يغلي السرد بشعريّة مضمرة، انقدحت شرارة الفكرة: هل يمكن “تجريد” السرد من تفاصيله اليومية للوصول إلى لُبّه الشعري؟ ومن هنا توالى استخراج الشذرات من عوالم روايات أخرى مثل “انتحالات عائلة” و”مذكرات كلب عراقي”، في عملية “عبور” شائقة بين الأجناس الأدبية.

إن هذا العمل يراهن على أن “التفاصيل” عند عبد الهادي سعدون ليست زوائد، بل هي مخابئ لنصوص أخرى؛ نصوص صامتة، ينتشلها الأمين ليجعلها تنطق بما قلّ ودلّ:

 

“يوماً ما سوف تهجرنا الكلمات، / كل شيء قيل.. كالموت.”

 

▪️وجوه خلف النص

يجمع هذا الإصدار قاماتٍ عراقية توزعت في المنافي الأوروبية، لكنها ظلت مشدودة إلى حبل “اللغة” السري. عبد الهادي سعدون، الأكاديمي والمترجم الذي جسّر الهوة بين الضاد والإسبانية، ومحمد الأمين، الذي دوزن ذائقته على إيقاعات الشعر الهولندي والفارسي؛ يلتقيان هنا ليقترحا علينا أفقاً مغايراً في “جماليات التلقي”، وكيف يمكن للقارئ (الأمين) أن يعيد استنطاق الكاتب (سعدون) عبر مرايا الاختزال، لتكون النتيجة نصاً ثالثاً، هو ثمرة حوارٍ رصين بين الرواية والقصيدة.

مقالات قد تعجبك
1 Comment
  1. Abby3360 علق
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.