طبيعيٌّ جداً أن تُطرح الفلسفة بلغة ساخرة، ولكن قد يضمر من وراء تلك النكت أفكار نقدية وجذرية، أما عندما يصل الحديث إلى طبقة السياسة والدين وما يرتبط بينهما من فساد الأحدى على الأخرى، فقد يبدو الأمر مزعجاً ومربكاً لرجال الطبقتين.
الحديث هنا عن ما كتبه بالتحديد أحد أهم فلاسفة التنوير الفرنسي في القرن الثامن عشر “هنري دي هولباخ” وكتيبه المعنون “مقال في فن الزحف.. دليل لرجال البلاط” الذي نشر بعد وفاته بنحو خمسة عقود، أى بداية القرن التاسع عشر، فالملاحظ ان هولباخ اضفى بعض التحفظ عن كتاباته الفلسفية لشعوره بأنها ستلاقي اقصاءً أو خطورةً نوعا ما، إلا أن تلك “الطرف الفلسفية” التي وضعها هولباخ كانت ولا تزال من أعظم ما كتب في الفلسفة والأدب الساخر في أوربا كلها.
هنري دي هولباخ فيلسوف مادي، أحد أشد الفلاسفة ماديةً وألحاداً، والذي كان يظهر عداءً شديداً للكنيسة، فهو لا يرفض فكرة الأله فحسب بل يطلب بأن تختفي لفظة الأله من اللغة، وقد عاش في عصر كثر فيه الاستبداد والتملق في البلاط الفرنسي قبيل الثورة الفرنسية، _وهو اعتبر القصر أو البلاط نموذج مصغر للمجتمع_ وأمسى النفاق والفساد نوع من اللياقة في مجتمع النبلاء في باريس، حيث عاش هولباخ وكان قريبا من مجالس أصحاب البلاط حتى رأى أنحطاط الأخلاق وهو الأمر الذي حرك قلمه ليكتب بمثل هذه المواضيع الخطرة بأسلوب ساخر متقن.
يرى هولباخ “الزحف” وهو ليس حركة في الجسد بل وعي منكسر، أنه فن يمكن أن يتعلمه أي إنسان ببساطة مثلما يتعلم التمثيل أو الموسيقى أو الرسم، أى أنه يحتاج إلى المران والممارسة، فالإنسان ببساطة يغمر نفسه بالعبودية ويتقنها عندما يفقد كرامته، فيجد هولباخ في عصر الاستبداد مع أن عقل الإنسان مجبول على الحرية إلا أنه طبيعي جدا أن يصبح أداة للعبودية.
يعري هولباخ الكائن البشري بما يحمله من صفات، ويفضح أولئك الذين يزحفون، ملخصاً تصوره بالمنهج التالي : عندما ينتزع من الإنسان حريته فإنه يجمل عبوديته بمسميات أخلاقية، فيكون الجبن حمكة، والصمت احتراما، والخضوع أدبا، والضعف فضيلة، فيصبح قياس النجاح في البلاط بمهارة الانحناء وليس بالذكاء والشجاعة، أذن هذا الانقلاب في القيم هو الشغل الشاغل لهولباخ.
في “فن الزحف” يتحدث هولباخ عن الإنسان المقهور، ويشخص فيه مرضا اسمه “العبودية” الذي تبدأ أعراضه من الخوف ثم النفاق، ثم موت الضمير داخل الإنسان، حتى يسري ذلك الموت في النظام السياسي بأكمله، وهكذا يصبح الأمر سهلا لدى الحاكم عندما يستملك قلوب الناس الذين ماتت ضمائرهم فإنه لا يحتاج إلى الجيوش والسلاح.
أذن يمكن القول على لسان هولباخ بعبارة واضحة “يزحف الأنسان لأنه وجد في الزحف منفعة”، هولباخ هنا لا يوجه سهام نقده للانسان الحاكم أو الزاحف بقدر ما يوجهها لمنظومة كبيرة تمثلت بنظام الطاعة التي لم تقتصر على الحاكم وحده بل حتى على رجل الدين، ذلك عندما يصبح الإنسان تابع ومقلد ومقيد وأداة، بدلا من ان يكون فاعل ومفكر وصاحب موقف.

ملاحظة : هذا الكتاب صادر باللغة الفرنسية عام ١٨١٣م وترجم إلى اللغة العربية على يد الدكتور بلقاسم كريسان، حيث صدرت الطبعة الأولى عن دار أبكالو هذا العام ٢٠٢٦م اي أنك ستقرأ كتابا بعد مرور قرنين على كتابته.
