فيلم “المتورط” : عندما يصنع رجل دين شاب فيلماً بوليسياً بلمحة مثيرة للجدل
كتبه : مهرداد خدير _ طهران
في اليوم الأول من مهرجان “فجر” السينمائي الرابع والأربعين، كان الموعد مع مفاجأة من نوع خاص. فرغم أن المشهد السينمائي هذا العام يفتقر لأسماء كبار المخرجين، إلا أن الأنظار اتجهت صوب فيلم “المتورط”، ليس فقط لقصته، بل لهوية صانعه؛ فهو من إخراج رجل دين شاب لم يتجاوز الـ 32 من عمره.
▪️خروج عن القالب التقليدي :
للوهلة الأولى، قد يتبادر إلى ذهن المشاهد أنه بصدد عمل دعائي أو أيديولوجي تمليه خلفية المخرج الدينية، لكن سرعان ما يكتشف أنه أمام فيلم ينتمي لـ “سينما الجريمة” والدراما الاجتماعية. المخرج جواد حكمي، ابن مدينة قم وخريج حوزتها العلمية، يخوض تجربته الروائية الطويلة الأولى بعد سلسلة من الأفلام القصيرة، مقدماً عملاً يثير التساؤلات أكثر مما يقدم إجابات جاهزة.
▪️صدى “آل باتشينو” في طهران :
لا يمكن للمشاهد المتمرس، وحتى العادي، أن يغض الطرف عن التشابه الصارخ بين بطل فيلم “المتورط” وشخصية آل باتشينو في فيلم “الأرق” (Insomnia) للمخرج كريستوفر نولان. تدور أحداث الفيلم حول المحقق “حسن كارخانه” (يؤديه محسن قصابيان)، وهو ضابط مخضرم يواجه قضية اختفاء غامضة لامرأة بعد حادث سير مريب.
وجه الشبه لا يقف عند ملاحقة خيط جريمة تتعلق بفتاة شابّة، بل يمتد إلى “ثيمة الأرق” التي تلازم البطل طوال الفيلم، وهو ما يستحضر فوراً الأداء الأيقوني لآل باتشينو قبل 24 عاماً. وبينما انتهى فيلم نولان بعبارة “دعني أنام”، يبدو أن المخرج الشاب أراد منح “أرقه” صبغة روحية، مطلقاً على عمله مصطلح “السينما التوحيدية”، حيث يتدخل الغيب لإنقاذ الموقف في لحظات التأزم.
▪️ملامسة الخطوط الحمراء :
المفارقة الأبرز في الفيلم هي جرأة المخرج رجل الدين في ملامسة موضوعات شائكة لم تعهدها السينما الإيرانية بهذا الوضوح، ومنها الإشارة إلى “الميول الجنسية المثلية” لدى إحدى الشخصيات (لاعبة رياضية)، ورغم أن الإشارة جاءت على لسان شخصية أخرى، إلا أن اختيار هذا الموضوع من قبل مخرج ذي خلفية دينية يعد سابقة تثير الكثير من التساؤلات حول حدود “الحصانة الأخلاقية” التي قد يتمتع بها المخرج رجل الدين لتناول المحرمات الدرامية.
▪️ملاحظات فنية وسياسية :
* ترميم الصورة : يبدو أن الفيلم حظي بدعم أمني يهدف لتلطيف صورة رجل الشرطة وإظهار تفانيه في حماية النساء، ربما كرسالة مبطنة بعد الأحداث الاجتماعية الأخيرة.
* الأداء التمثيلي: قدم محسن قصابيان أداءً مقنعاً، بينما بدا حضور الكوميدي مهران غفوريان في دور جاد غير متناغم مع بنية ضابط المباحث الجسدية.
* عقدة “الكلاب”: يظهر تأثر المخرج بخلفيته التقليدية في تصوير الكلاب كأدوات لإثارة الرعب “الهيتشكوكي”، وهو ربط نمطي يعكس ذهنية مسبقة تجاه هذا الكائن.
▪️الخلاصة :
“المتورط” فيلم يحاول أن يكون بوليسياً بمسحة روحية، لكنه يغرق في محاكاة كلاسيكيات هوليوودية. ورغم محاولة المخرج تسويق مصطلح “السينما التوحيدية”، إلا أن الواقع التجاري قد يفرض عليه مستقبلاً التخلي عن الشعارات الفضفاضة والتركيز على لغة السينما الخالصة، فالمفاهيم الدينية في الفن تُقدم “تحت الجلد” لا بالخطب المباشرة.
