سيس نوتيبوم : رحالة الكلمات الذي جعل من العالم بيتاً له
محمد الحسين | مدار 24
بفقدان سيس نوتيبوم عن عمر ناهز (93) عاماً، لا تطوي هولندا صفحة أديب فحسب، بل تودع واحداً من آخر العمالقة الذين صاغوا وجدان أوروبا الحديثة، وواحد من الأدباء الذين رسخوا عمق التجربة الهولندية في العالم الغربي، فهو الشاعر والروائي والصحافي والرحالة والمترجم.
لم يكن سيس نوتيبوم الذي رحل عن عالمنا 11 شباط / 2026 في إسبانيا، مجرد كاتب وروائي وشاعر عابر؛ بل كان “راداراً” ثقافياً يلتقط ذبذبات القارة وتاريخها، ومسافراً أبدياً آمن بأن الهوية ليست مكاناً نولِد فيه، بل أفقاً نكتشفه بالترحال.
▪️ما وراء الحدود : الأدب كرحلة استكشاف :
لطالما اعتُبر نوتيبوم “الوجه الثقافي” لهولندا في الخارج، فهو الكاتب الأكثر ترجمة وحضوراً في المشهد الأوروبي، إذ يحضى بمكانة أدبية عالية في بلاده والعالم وذلك عبر ما تركه من نتاج أدبي ضخم، وهو يعتبر أكثر الكتاب الهولنديين ترجمة وشهرة في أوروبا.
لم يبخل على أيّ من ألوان الكتابة وفنونها بإسهاماته المتواصلة، ولم يحبس نفسه في صومعة الرواية، بل كان “متعدداً” بامتياز؛ فمن الشعر الذي يقطر تأملاً، إلى النقد الفني، والمسرح، والقصة القصيرة. لكن بصمته الأكبر تظل في أدب الرحلات، الذي حوّله من مجرد وصف للأماكن إلى فلسفة للوجود.
ولد نوتيبوم في لاهاي عام 1933م، ونشأ في ظل طفولة قاسية مزقتها الحرب وفقر الوالدين وانفصالهما. فيبدو أن هذا “التشتت” المبكر هو ما دفعه للبحث عن الذات عبر الآخر؛ فانطلق شاباً يجوب أوروبا، متسلحاً باللغات اليونانية واللاتينية والإسبانية، ليحول الطريق إلى مدرسة، والغربة إلى وطن.
▪️من “الطقوس” إلى أصفهان : إرث لا يغيب
ومنذ عمله الروائي الأول “فيليب والآخرون” الرواية التي صدرت عام 1955م، كان من الواضح أننا أمام قلم لا يعرف السكون. فمع صدور مجموعته الشعرية الأولى “الموتى يبحثون عن بيت”، بدأ نوتيبوم ينسج خيوط عالمه الخاص الذي يمزج بين الواقعية السحرية والتأمل الفلسفي.
وبدأ نوتيبوم براعته في أدب الرحلة في كتبه مثل “ظهيرة في برواي”، و”ليلة في تونس”، و”أمسية في أصفهان”، فلم يكن يكتب للسياح، بل كان يكتب للمتأملين، باحثاً عن الروح المختبئة خلف جدران المدن العتيقة.
▪️ذروة الإبداع :
وتظل روايته “طقوس” (1980) حجر الزاوية في مشروعه، وهي العمل الذي منحه اعترافاً دولياً واسعاً وجوائز مرموقة مثل “بيغازوس” و”ف. بوردوايك”، حيث استطاع فيها تشريح الفوضى الأخلاقية والوجودية للإنسان المعاصر ببراعة جراح.
وخلال مسيرته المهنية حصل على العديد من الأوسمة، بما في ذلك درجات دكتوراه فخرية من جامعات في بروكسل ونايميخن وبرلين وكلية لندن الجامعية.
رحل نوتيبوم، لكنه ترك خلفه خارطة طريق لكل من يرى في الكتابة وسيلة للعبور نحو الآخر. كان يؤمن أن العالم أكبر من أن يُختصر في حدود سياسية، وأن الكلمات هي الجسور الوحيدة التي لا تنهار.
وبرحيله، تفقد الساحة الأدبية صوتاً كان يذكرنا دائماً بأن “الكتابة تأجيل للموت”. وبأننا جميعاً، بشكل أو بآخر، “مسافرون في حاجة إلى بوصلة”.
