عندما يستيقظ البشر .. لقطات خاطفة || شعر خديجة گدوم
ترجمة عن الإسبانية : د. عبد الهادي سعدون
خديجة گـدوم Khédija Gadhoum (تونس – الولايات المتحدة الأمريكية) الشاعرة التي تكتب باللغة الإسبانية فقط. حاصلة على الماجستير والدكتوراه من جامعة ولاية أوهايو. شاعرة ومترجمة أدبية، ومؤلفة ديوان عندما يستيقظ البشر، ما وراء البحر: مشربيات في شبق. تشمل ترجماتها: ليست كل الزهور تفهم الريح لهاتف الجنابي، وما وراء شهرزاد: الشعر المعاصر لنساء المغرب العربي (مجلدان، بالاشتراك مع مارغاريتا غارثيا كاسادو)، وأنطولوجيا شعر السـلام في مقدونيا (بالاشتراك مع سيث نيكلسون)، وأين أمي لمروان مخول، وأعلم أنك كنت هنا لفانغ-تسو تشانغ، وبورتريه ذاتي عند الغسق لكوي-هاي تسينغ، وتنفس تحت الماء لمارغريت ساين، من بين أعمال أخرى. نُشرت أشعارها وترجماتها على الصعيد الدولي في مجلات أدبية وثقافية، وأنطولوجيات، ومجلدات نقدية. شاركت في أمسيات ومهرجانات شعرية دولية، وتُرجمت أشعارها إلى عدة لغات. هي عضو في منظمة القلم الأمريكية وأكاديمية الشعراء الأمريكيين، وعضو هيئة تحرير مجلة ألتاثور الإلكترونية للأدب، وعضو اللجنة الاستشارية والعلمية لـ الدراسات الإسبانية في المغرب العربي: بحوث وإبداع.
في المشهد الشعري المعاصر المكتوب بالإسبانية، تبرز تجربة الشاعرة والمترجمة التونسية خديجة گـدوم كواحدة من أكثر التجارب تفرداً في تمثيل “أدب الحدود” وتفكيك ثنائية الهوية. إن شعرها لا يصدر من جغرافيا مستقرة، بل يتشكل في المساحة البرزخية الفاصلة بين ذاكرة المغرب العربي الأصيلة، ومسارات التحديث الغربي في مهجرها الأمريكي. ومن خلال ديوانها “عندما يستيقظ البشر: لقطات خاطفة”، تُشيد الشاعرة كولاجاً بصرياً ونفسياً يعيد صياغة اليومي والعابر ليحوله إلى تساؤلات وجودية كبرى. بصفتها مثقفة تونسية تكتب بالإسبانية وتعيش في الولايات المتحدة، فإن قصيدتها لا تسكن وطناً محدداً، بل تعيش في منطقة برزخية بين عدة ثقافات. تصبح اللغة الإسبانية اللوحة التي تختارها لتجسيد وجدان عربي ومغاربي عميق. لا يبنى عالمها الشعري من خلال سرديات ملحمية كبرى، بل عبر شظايا وتفاصيل. تحت مفهوم “اللقطات الخاطفة” (Instantáneas)، تعمل كل قصيدة كإشراقة خاطفة تجمّد لحظة من لحظات الوعي والوضوح. إنها تلتقط التناقض الصارخ بين الحداثة الفائقة وبين الأزمات الأكثر التصاقاً بالكائن البشري. إن الشاعرة، وعبر لغتها الإسبانية ذات النبرة الصارمة والوجدان الشفيف، تقدم نموذجاً فريداً لكتابة الشتات. إنها لا تكتب لتتذكر وطنها فحسب، بل تجعل من الكتابة نفسها وطناً بديلاً يتسع للجميع، وتثبت أن الشعر هو اللغة العالمية الوحيدة القادرة على مداواة جراح الاغتراب… هنا القصائد الثلاث التي تبتدئ بها أبيات ديوانها المعنون (عندما يستيقظ البشر)، مترجمة للعربية…
___________________________________________
1.
أولاً الختم
ثم إنكار الحداد
والعناية بتسمية
الهمجية الوقحة
أسماء بلا آثار
وجوه بلا أسماء
ذكريات مُنتزَعة
بالأبيض والأسود
خريطة عكرة
تتضرع إلى السماء
في ساعتها الأكثر شؤماً.
مَن يحتفظ بالصورة الفوتوغرافية؟
طفل
زوج من العيون
يطير في هبوط
نشيج غياب حيّ.
الرعب يجمع نظراتنا
في عين الموت
في مهد الصرخة.
إلى متى أيتها الجلجلة، إلى متى…؟
عيوننا إليك ترحل كل يوم ترحل كل يوم
تدور في أروقة المعابد
تعانق الكنائس القديمة
و تمسح الحزن عن المساجد
عيوننا إليك ترحل كل يوم وانني أصلي
(فيروز)
2.
الإنسان لا يحكي
الإنسان لا يمكنه أن يحكي
ما يتوق إليه حقاً
أن يكون سحلية أو ذبابة بلا وجهة.
هكذا يستيقظ باسم نفسه
باسم الفراغ الذي يتسلق الجفون
موزعاً خطابات في أفواه الآخرين.
وهكذا في كل يوم، الإنسان الماكر
الأكثر جشعاً من مفترس، يتربص
بجوع العيون وحكايات بخصومات
الديدان.
في النهاية، بين البشر والآلهة مشوهة الشكل
يتزين الخداع بالرمال
في نصبه المقدس
لا يذكرُ بشيء ولا يتذكره أحد.
مجرد خاتمة في الصحراء…
كل شيء رهين المظهر
تبديل السرير، تبديل الجسد…
أهكذا يعيش البشر؟
لويس أراغون
3.
مع مضي الوقت يعتاد المرء
على لون الوقت و
ربطة عنقه البرتقالية و
خصلات شعره المجعدة غير الممشطة.
هشاشة تتطلب عناية فائقة
وتتجاوز بالتأكيد مساميتها
في أفواه من رماد
لم أتمكن يوماً من فك شفرتها.
يُدعى أكتوبر
ويشبه الخريف العاري
على الطريق السريع لـ أتلانتا هوي
يتشعب في الحديث لكي يفرغ نفسه
بباقة من الزهور.
زهور الوقت بلا خصلات مجعدة ولا ربطات عنق
جميلة وفواحة دائماً تلك الزهور في تريدرز جو
ووهم حياة عبثية جداً لإنسان
ينثر المخارج
هنا وهناك…
مستنزَفٌ لا حيلة له.
“نحتاج إلى الاستيقاظ لنكون أكثر يقظة.”
| خايمي سابينيس
