محمد غني حكمت النحات الذي جعل بغداد متحفًا مفتوحًا

كتبه : مصطفى شاكر _ العراق

لا تُعرف المدن بشوارعها وحدها، بل بما تتركه فيها ذاكرة للفن، وفي بغداد نلمس ذلك، إذ يكفي أن تقف أمام تمثال أو نافورة أو نصب يحمل روح الحكايات العراقية، فتجد اسم “محمد غني حكمت” حاضرًا خلف ذلك الجمال.

لم يكن مجرد نحات يشكل تماثيل في البرونز والحجر، بل كان فنانًا بارعاً، آمن بأن المدينة تستحق أن تُروى قصصها بالنحت، وأن تبقى شخصيات الأدب والتراث والتاريخ حاضرة في الساحات العامة، لتتحدث مع الناس كل يوم.

ولد محمد غني حكمت في بغداد عام 1929م في محلة الكاظمية، ونشأ وسط الأزقة البغدادية التي كانت تعج بالحرفيين والأسواق القديمة. منذ طفولته أبدى شغفًا بالرسم وتشكيل الطين، الأمر الذي دفعه إلى الالتحاق بـ معهد الفنون الجميلة في بغداد، حيث تتلمذ على يد الفنان الكبير جواد سليم، الذي كان له أثر بالغ في تكوين شخصيته الفنية.

لم يتوقف طموحه عند حدود العراق، فسافر في خمسينيات القرن الماضي إلى إيطاليا، وألتحق بـ أكاديمية الفنون الجميلة في روما، ثم واصل دراسته في مدرسة متخصصة بفنون صب البرونز وصناعة المنحوتات. هناك اطّلع على مدارس النحت الأوروبية، لكنه عاد إلى بغداد مؤمنًا بأن الفن الحقيقي هو الذي يحمل هوية وطنه، لا الذي يقلد الآخرين.

ومنذ ستينيات القرن الماضي، بدأ محمد غني حكمت مشروعه الفني الكبير، والذي تمثل بإعادة إحياء التراث العراقي بلغة النحت الحديث. فاستلهم أعماله من ألف ليلة وليلة، والأساطير السومرية والبابلية، والحكايات الشعبية البغدادية، والشخصيات التاريخية، وجمع بين الحداثة والجذور الحضارية في أسلوب واحد أصبح علامة مميزة له.

كان يؤمن بأن التمثال ليس قطعة توضع في ساحة فحسب، بل ذاكرة لمدينة، وتعريف لهويتها، لذلك جاءت أعماله قريبة من الناس، يتفاعل معها المارة يوميًا، حتى أصبحت جزءًا من هوية بغداد.

▪️ من أشهر أعماله التي ما تزال تزين العاصمة العراقية :

* تمثال شهرزاد وشهريار على ضفاف نهر دجلة، المستوحى من حكايات ألف ليلة وليلة.
* نافورة كهرمانة، المستوحاة من قصة “علي بابا والأربعين حرامي”، والتي أصبحت واحدة من أشهر معالم بغداد.
* نصب إنقاذ الثقافة العراقية، الذي أنجز بعد عام 2003، ويحمل كتبًا وألواحًا معلقة ترمز إلى الحضارة العراقية وضرورة حمايتها.
* تمثال الفانوس السحري، الذي يستلهم عالم الحكايات الشرقية.
* عشرات المنحوتات والجداريات المنتشرة في المؤسسات الثقافية والحدائق والساحات العامة.

ولم تقتصر أعماله على العراق، بل وصلت منحوتاته إلى عدد من الدول العربية والأوروبية، وشاركت في معارض دولية عديدة، ما جعله أحد أبرز سفراء الفن العراقي في الخارج.

كان محمد غني حكمت يفضّل العمل بالبرونز والحجر، ويحرص على أن تحمل منحوتاته تفاصيل دقيقة تعكس روح الإنسان العراقي. كما اشتهر بإحياء الخط العربي داخل العمل النحتي، فمزج بين الكلمة والكتلة بأسلوب مبتكر.

نال خلال مسيرته العديد من الجوائز والأوسمة الفنية، وأصبح عضوًا في مؤسسات فنية وثقافية عربية ودولية، كما عُدّ من أهم رواد النحت العربي في القرن العشرين.

في السنوات الأخيرة من حياته، واصل العمل رغم تقدمه في العمر، وكان يحلم بإعادة الحياة إلى الساحات العامة في بغداد عبر الفن. وكان يقول إن المدينة التي تحتضن التماثيل وتحترم فنانيها، تحفظ ذاكرتها للأجيال القادمة.

في 12 أيلول/سبتمبر 2011، توفي محمد غني حكمت في العاصمة الأردنية عمّان عن عمر ناهز 82 عامًا بعد صراع مع المرض، لكن رحيله لم ينهِ حضوره؛ فما زالت أعماله قائمة في بغداد، يمر بها الناس كل يوم، وكأنها تواصل الحديث نيابةً عنه.

لم يترك محمد غني حكمت تماثيل جامدة، بل ترك حكايات منحوتة في البرونز والحجر، وجعل من بغداد معرضًا مفتوحًا للفن، حيث يلتقي التاريخ بالأدب، وتلتقي الأسطورة بالواقع. ولهذا يبقى اسمه واحدًا من أعظم النحاتين في تاريخ العراق الحديث، وفنانًا استطاع أن يمنح المدينة وجهًا لا يشيخ.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.