أصفهان تلك المدينة الساحرة، نصف العالم (نصف جهان) ليست مدينة عادية في جغرافية العالم الشرقي، بل واحدةً من أعظم العواصم الفنية في العالم الإسلامي، مدينة جسدا هوية الحضارة الفارسية في إيران، فمنذ العصر الصفوي، تحولت المدينة إلى ورشةٍ مفتوحة للفن، اجتمع فيها النحاتون، والنقاشون، والخطاطون، وصناع الخزف، والمهندسون المعماريون، ليتركوا إرثًا ما زال يبهر الزائرين بعد مرور قرون.
عندما يرفع الزائر رأسه نحو قباب المساجد في أصفهان، أو يمر بين أقواسها المزخرفة، يدرك أن الفن هنا لم يكن مجرد زينة معمارية، بل كان لغةً بصرية تعكس الإيمان، والهوية، والإبداع الإنساني. وفي كتاب له عنها يصف الأديب الإيراني صادق هدايت غرامه باصفهان فيقول مثلا : “مثل حكايات ألف ليلة وليلة، بمساجدها وقصورها، ومناراتها وخزفها، وفنّ الخط والرسم فيها”.
▪️ ملامح الفن الإيراني في أصفهان :
يرجع تاريخ الفنون الإيرانية إلى آلاف السنين، من الحضارات الأخمينية والساسانية، وقد ازدهرت بصورة استثنائية بعد دخول الإسلام، سيما في العصرين التيموري والصفوي.
فتميز الفن الإيراني بعدة عناصر، منها : الزخارف الهندسية الدقيقة، الزخارف النباتية (الأرابيسك)، فن الخط العربي والفارسي، القباب المزينة بالقاشاني الأزرق، النحت والزخرفة على الجص والحجر والخشب، صناعة المقرنصات المعمارية، وفن المنمنمات والرسم.
ومن أشهر الفنون الإيرانية هو فن القاشاني، وهو بلاط خزفي مزخرف يُصنع يدويًا، ثم يُثبت على القباب والجدران. ويمتاز بألوان : الأزرق النيلي، الفيروزي، الأبيض، الأصفر، والأسود. وقد أصبحت هذه الألوان علامة مميزة للعمارة الإيرانية، وانتقلت تقنياتها إلى بلدان عديدة.
أبدع الفنانون الإيرانيون كذلك في نحت الجص والحجر، فكانت الجدران تتحول إلى لوحات ثلاثية الأبعاد، ومن أشهر العناصر المنحوتة : المحاريب، الأقواس، النوافذ الحجرية، الزخارف النباتية، والمقرنصات.
حيث كان الفنان الإيراني ينظر إلى البناء بوصفه عملاً فنياً متكاملاً، فلا يفصل بين العمارة والنحت والخط والزخرفة على حدٍ سواء، فبرع الفنانون الإيرانيون في : نحت الجص، الحجر، الخشب، وحفر الرخام، وزخرفة المحاريب، وصناعة المقرنصات، وزخرفة الأعمدة والأقواس.
هذه الأعمال جميعها تحتاج إلى مهارة لا تقل عن مهارة النحاتين الذين يصنعون التماثيل، فالمساجد الإسلامية الإيرانية لا تحتوي عادةً على تماثيل بشرية أو حيوانية، التزامًا بالتقاليد الفنية الإسلامية في العمارة الدينية، لكن هذا لا يعني غياب فن النحت.
وعند الحديث عن مساجد أصفهان، من المهم التمييز بين النحت المجسم، والنحت، والزخرفة المعمارية، ورغم أن أسماء كثير من هؤلاء الحرفيين لم تصلنا، فإن أعمالهم بقيت شاهدة على براعتهم، إذ كان العمل يُنسب غالبًا إلى الورشة أو إلى المعماري الرئيس أكثر من نسبته إلى كل فنان على حدة.
وكانت هذه الأعمال تتطلب سنوات من التدريب، إذ تُنفذ يدويًا باستخدام أدوات بسيطة، لكن بدقة هندسية مذهلة، فقد برز اسم العلامة بهاء الدين العاملي الفقيه والعالم والشاعر والمهندس كواحد من أهم المهندسين الذين بنوا أصفهان وبثوا فيها روح الهوية الإسلامية، فخلال حكم الدولة الصفوية (1501–1736)، أصبحت أصفهان العاصمة السياسية والثقافية لإيران، وشهدت نهضة فنية كبرى.
▪️ مسجد الشاه، ومسجد لطف الله .. مثال لبراعة الفن الإيراني في أصفهان :
يُعد مسجد الشاه (المعروف اليوم أيضًا باسم مسجد الإمام) من أعظم نماذج الفن الإسلامي في العالم، والموجود ضمن حديقة (نقش جهان) وسط أصفهان
ويتميز هذا المسجد بـ: قبة ضخمة مكسوة ببلاط القاشاني الأزرق، مقرنصات منحوتة بدقة هندسية، محاريب مزخرفة بالجص والحجر، كتابات قرآنية نفذها كبار الخطاطين، زخارف نباتية لا يتكرر فيها التصميم بسهولة.
قام الشيخ البهائي (وهو الذي بنى هذين المسجدين) بتصميم قبة مسجد الإمام بشكل احترافي، حيث يقف المؤذن في نقطة معينة فيتضاعف صوته سبعة مرات، مستفيدا من قوانين تردد الصدى بتوضيف خبرته في العلوم الفيزيائية.
ويعد هذا المسجد مثالًا على اندماج النحت والزخرفة والخط في عمل معماري واحد، أما مسجد الشيخ لطف الله فيُعد من جهة أخرى من أروع المباني الفنية في إيران ويصفه كثير من المؤرخين بأنه قطعة فنية أكثر من كونه مجرد مكان للعبادة.
ويشتهر مسجد لطف الله بـ: قبته ذات الزخارف الدقيقة، الألوان المتدرجة بين الأزرق والفيروزي والذهبي، المحراب المنحوت بإتقان، زخارف هندسية معقدة، توازن معماري يعد من أجمل ما أُنجز في العصر الصفوي.
ومن الملاحظ أنه في العمارة الإيرانية، لا ينفصل الخط عن الزخرفة، فقد زُينت المساجد بآيات قرآنية وخطوط عربية وفارسية نفذها كبار الخطاطين، ثم أحاطها النقاشون بزخارف نباتية وهندسية، لتبدو الجدار وكأنها لوحة واحدة متكاملة، كما نشاهد ذلك سواء في مسجد الشاه أو مسجد الشيخ لطف الله.
▪️ أثر الفن الإيراني في العالم الإسلامي :
يُنظر إلى المدرسة الإيرانية بوصفها إحدى أهم المدارس الفنية في تاريخ العمارة الإسلامية.
فلم يبقَ تأثير الفن الإيراني داخل حدود إيران وحدها، بل امتد إلى العراق والبلدان الإسلامية الأخرى من جهة وآسيا الوسطى والهند والدولة العثمانية من جهة أخرى، وتأثر به كثير من البنّائين والحرفيين، خصوصًا في تقنيات القباب، والمقرنصات، والقاشاني، والزخرفة النباتية.
إن الحديث عن أصفهان ليس حديثًا عن مدينة فحسب، بل عن متحف مفتوح للفنون الإسلامية. فكل قبة فيها تحكي قصة، وكل محراب يحمل توقيع حرفي مجهول كرّس عمره لإتقان التفاصيل، وكل جدار يروي كيف استطاع الفن الإيراني أن يحول الحجر والخشب والج
