جلال الدين البلخي الرومي شاعر التصوف الذي جعل الكلمة طريقًا إلى الروح

أعداد : مصطفى شاكر | خاص بمدار 24

لم يكن جلال الدين البلخي “الرومي” شاعرًا بالمعنى التقليدي، ولم يكن فقيهًا أو متصوفًا فحسب، بل كان ظاهرة فكرية وأدبية ودينية تجاوزت حدود عصره ولغته وجغرافيته. وبعد أكثر من سبعة قرون على رحيله، ما تزال قصائده تُقرأ بجميع لغات العالم، وتُدرّس في الجامعات، ويجد فيها القراء تأملات في الحب والإيمان والإنسان والحياة، حتى أصبح أحد أكثر الشعراء تأثيرًا في تاريخ الأدب الفارسي والتصوف الإسلامي.

 

وقد كُتبت عنه آلاف الدراسات في الشرق والغرب، وتُرجمت أشعاره إلى معظم لغات العالم، وأصبحت كلماته تُقرأ في كل مكان في العالم، وتُغنى، وتُقتبس في الكتب والأفلام والموسيقى. ولعل السر في ذلك أنه لم يكتب للقرن الثالث عشر وحده، بل كتب للإنسان أينما كان وفي أي زمان، وجعل من الحب والتسامح والمعرفة جسوراً تعبر بها الأرواح نحو بعضها.

 

وُلِد جلال الدين محمد البلخي الرومي في 30 أيلول/سبتمبر 1207 بمدينة بلخ، التي تقع اليوم في أفغانستان، وكانت آنذاك من أهم مراكز العلم والثقافة في العالم الإسلامي. نشأ في أسرة علمية، وكان والده بهاء الدين عالمًا وفقيهًا معروفًا.

 

إن العالم الذي ولد فيه الرومي لم يكن مستقراً، فقد بدأت جيوش المغول تجتاح مدن آسيا الوسطى، وتهدد الحضارة الإسلامية بأكملها. لذلك اضطر والده إلى الرحيل مع أسرته في رحلة طويلة، مرّت عبر نيسابور وبغداد ودمشق ومكة، قبل أن تستقر العائلة أخيراً في مدينة قونيه بالأناضول، التي كانت آنذاك عاصمة سلاجقة الروم، ومنها جاء لقبه الشهير “الرومي” حيث عاش هناك معظم حياته وأصبح من أبرز علمائها.

 

في قونيه درس الرومي الفقه، والتفسير، والحديث، والفلسفة، والمنطق، واللغة العربية، حتى أصبح مدرساً وعالماً يقصده الطلبة. كان الناس يرونه فقيهاً بارزاً، ولم يكن أحد يتوقع أن يتحول بعد سنوات إلى أحد أعظم شعراء التصوف في تاريخ الإنسانية، ففي شبابه، عُرف عن الرومي فقيهًا ومدرسًا للعلوم الإسلامية، ولم يكن الشعر يحتل مكانة كبيرة في حياته.

 

لكن نقطة التحول الكبرى جاءت عام 1244م عندما ألتقى بالمتصوف شمس الدين التبريزي، ولم يكن شمس شيخاً تقليدياً، بل كان رجلاً يبحث عن الحقيقة خارج حدود المألوف. وكانت تلك الصداقة من أكثر العلاقات تأثيرًا في تاريخ الأدب الصوفي؛ إذ غيّرت نظرته إلى المعرفة والحياة، وأطلقت طاقته الشعرية التي جعلت اسمه خالدًا. وبعد اختفاء شمس، عبّر الرومي عن حزنه واشتياقه عبر مئات القصائد التي أصبحت من أشهر ما كُتب في الشعر الفارسي.

 

دار بين الرومي وشمس التبريزي حوار طويل، تقول بعض الروايات إن شمس سأله: “من أعظم، النبي محمد أم بايزيد البسطامي؟” كان السؤال صادماً، لكنه فتح باباً جديداً في فكر الرومي. منذ ذلك اللقاء، تغير كل شيء؛ ترك مجالس التدريس الطويلة، وانصرف إلى التأمل والإنشاد والشعر، حتى أصبح الحب محور فلسفته كلها.

 

وكانت علاقة الرومي بشمس علاقة روحية عميقة أثارت استغراب المحيطين به، وعندما اختفى شمس – ويُعتقد أنه قُتل – عاش الرومي حزناً عظيماً، لكنه حوّل ذلك الألم إلى قصائد خالدة. ومن هذا الحنين ولد ديوان شمس التبريزي، أحد أعظم دواوين الشعر الصوفي.

كتب الرومي أكثر من خمسة وستين ألف بيت شعري بثها بين المثنوي والديوان والرباعيات، وأصبحت مؤلفاته من أكثر الكتب قراءة في العالم، وترك عددًا من الأعمال التي تُعد من روائع الأدب العالمي، وأبرزها : كتاب “المثنوي المعنوي” وهو مجلد من ستة أجزاء يضم آلاف الأبيات، ويُعد من أهم كتب التصوف الإسلامي. وديوان شمس التبريزي الذي يضم قصائده الغزلية والروحية. بالإضافة إلى كتاب “فيه ما فيه” وهو مجموعة من أحاديثه وجالسه. وكتاب “المجالس السبعة” ويضم مواعظه وخطبه. و “المكاتيب” وهي رسائل تناولت موضوعات دينية وفكرية.

 

كان الرومي يرى أن الحب هو الطريق إلى معرفة الله، والإنسان والحياة. وليس شعورا عاطفيا فحسب، وكان يعتقد إن الإنسان يولد ناقصاً، ثم يكمل نفسه بالمحبة. وأن الإنسان لا يكتمل إلا بالسعي إلى تهذيب نفسه. وقد تميز شعره بالرمزية، فامتلأ بصور الوردة، والناي، والنور، والبحر، والطير، لتجسيد معانٍ روحية عميقة.

 

كان الرومي مولعاً بالموسيقى والإنشاد، ومن حلقات الذكر التي كان يقيمها نشأت الطريقة المولوية، التي اشتهرت برقصة الدراويش الدائرية. ولم يكن الدوران عندهم مجرد حركة، بل رمزاً لدوران الكواكب، ولرحلة الإنسان من العالم المادي إلى النور الإلهي.

 

لم تقتصر شهرة الرومي على العالم الإسلامي، بل تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات، وأصبح من أكثر الشعراء قراءة في أوروبا وأمريكا. ويرى باحثون أن سر هذا الانتشار يعود إلى أن شعره يخاطب الإنسان في كل زمان، ويتناول أسئلة الحب، والفقد، والأمل، والبحث عن المعنى. ومع ذلك، يشير مختصون إلى أن بعض الترجمات الغربية الحديثة اختزلت أو غيّرت جوانب من سياقه الإسلامي، لذلك يُنصح بالرجوع إلى الترجمات العلمية عند دراسة أعماله.

 

كما ارتبط اسمه بالطريقة المولوية، التي أسسها أتباعه بعد وفاته، واشتهرت برقصة الدراويش الدوّارة، التي أصبحت رمزًا للتصوف في تركيا والعالم، بالإضافة إلى من تأثر به من شعراء وفلاسفة وموسيقيون في أوروبا وأمريكا وآسيا، وأصبح الرومي في العقود الأخيرة من أكثر الشعراء قراءةً في العالم، لأن رسالته لم تكن موجهة إلى شعب أو دين أو قومية، بل إلى الإنسان ذاته.

في 17 كانون الأول/ديسمبر 1273، توفي جلال الدين الرومي في مدينة قونية، ودُفن فيها، لكن أتباعه لم يعتبروا يوم وفاته يوم حزن، بل أطلقوا عليه اسم “ليلة العرس”، لأنهم كانوا يرون أن الموت هو لقاء المحب بحبيبه الأزلي. وقد تحول ضريحه إلى أحد أشهر المعالم الثقافية والروحية، يقصده الزوار من مختلف أنحاء العالم، وأصبح متحف مولانا من أشهر المعالم الثقافية في تركيا.

 

لم يكن الرومي شاعرًا يكتب أبياتًا جميلة فحسب، بل كان مفكرًا سعى إلى بناء جسور بين العقل والقلب، وبين الإنسان وربه، وبين الثقافات المختلفة. ولهذا بقيت كلماته حيّة بعد مرور أكثر من سبعمائة عام، لتؤكد أن الشعر الصادق لا تحدّه حدود الزمن، وأن الكلمة التي تخرج من القلب تستطيع أن تعيش في قلوب أجيالٍ متعاقبة.

 

وقد ترك الرومي تراثاً أدبياً وروحياً لا يزال حياً بعد أكثر من سبعمائة عام، لأن قصائده لم تكن تبحث عن البلاغة وحدها، بل كانت تبحث عن الإنسان. ولهذا بقيت كلماته قادرة على مواساة الحزين، وإلهام الفنان، وإيقاظ الباحث عن المعنى، وبقي جلال الدين الرومي اسماً لا يُقرأ بوصفه شاعراً فحسب، بل بوصفه أحد أعظم الأصوات الإنسانية التي جعلت من الكلمة جسراً بين الأرض والسماء، ومن الحب لغةً لا تحتاج إلى ترجمة.

 

وهنا نقتبس شذرات من شعره ونثره، وأقوال تُنسب إليه في العديد من الترجمات، مع وجود اختلافات بين الترجمات وصياغاتها، ولكنها ثبتت لآثاره في المصادر :

__________________________________

 

“بعْ ذكاءك واشترِ الدهشة؛ فالذكاء رأي، والدهشة بصيرة.”

▪️

“العشاق يشربون ليلًا ونهارًا، حتى تذوب حجب العقل والخجل.”

▪️

“ما تبحث عنه… يبحث عنك.”

▪️

تعال… تعال، مهما كنت.

تعال ولو كنت كافراً أو وثنياً أو عابداً للنار.

ليس هذا باب اليأس،

تعال ولو نقضت عهدك ألف مرة.

▪️

بالأمس كنت ذكياً، فأردت أن أغيّر العالم.

أما اليوم فأنا حكيم، ولذلك أغيّر نفسي.

▪️

الجراح هي المكان الذي يدخل منه النور إلى روحك.

▪️

لا تبحث عن الحب خارج قلبك،

فأنت البحر، وما تراه قطرة.

▪️

حين يصمت اللسان… يبدأ القلب بالكلام.

▪️

أنا لست من الشرق ولا من الغرب،

ولا من البر ولا من البحر،

موطني هو الحب،

والحب وحده وطني.

▪️

إذا أشرقت شمس المحبة في القلب،

ذابت ثلوج الكراهية.

▪️

ازرع في قلبك وردةً،

فإن العالم يحتاج إلى حدائق أكثر من حاجته إلى الجدران.

▪️

كل إنسان يحمل داخله كنزاً،

لكنه يقضي عمره يبحث عنه في الآخرين.

▪️

“ارفع كلماتك، لا صوتك؛ فالمطر هو الذي ينبت الزهور، لا الرعد.”

▪️

“حين تترك ما أنت عليه، تصبح ما يمكنك أن تكونه.”

▪️

“ليس الحب ما نجده، بل ما يجعلنا نولد من جديد.”

▪️

“الكون كله يدور حول قلبٍ عرف المحبة.”

▪️

“كل يوم هو ولادة جديدة، فلا تعش أسيراً لأمسك.”

▪️

“حين يصبح القلب ممتلئاً بالمحبة، يتحول العالم كله إلى قصيدة.”

▪️

وراء أفكار الصواب والخطأ

توجد ساحة واسعة،

هناك سألقاك.

▪️

إن الجرح هو الموضع الذي يدخل

منه النور إليك.

▪️

ليس الحب أن تنظر إلى جمال الوجه،

بل أن ترى نور الروح

▪️

أمس كنتُ ذكيًا، فأردتُ أن أغيّر العالم.

اليوم أنا حكيم، لذلك أغيّر نفسي.

▪️

كلما ازداد الصمت عمقًا، صار الكلام أكثر صدقًا

▪️

حين يُضيء الحب القلب، يصبح كل طريقٍ موصلًا إلى الله.

▪️

لا تبحث عن الحب خارجك، بل أزل ما يحول بينك وبينه

▪️

إذا أظلمت الدنيا في عينيك، فأشعل في قلبك مصباح المحبة

▪️

إن الطريق إلى الحق يبدأ بخطوةٍ داخل النفس.

▪️

المنام يسرق العمر، والأمل يعيده

فاملأ قلبك بالأمل كي لا تضيع العمر في الغفلة!

▪️

يا من بحثت عن الاسرار في المعلن

ارجع الى نفسك وانظر، فيك كل شيء!

لم تخلق الدنيا لتبقى فيها صنما

بل كي تحيل ظلام الروح كالضوء!

▪️

الدار هذه ليست لنا دارا

فارفع بصرا، واذكر لنا الجارا

ما هذه الاجساد إلا خرق

يستبدل الروح منها ما استطارا

▪️

الحب يرفع كل قلب جاهل

ويصير كل الطين نورا خالضا

لا تشتك من قلة في صحبه

إن الوفاء يكون حظا ناقصا!

▪️

الموت في سبيل الحب

ليس إلا نهارا يشرق بعد ليل طويل

فكن كالشموس في الجود والرحمة

وكن كالليل في ستر العيوب

وكن كالماء في السخاء

وكن كالارض في التواضع!

▪️

أنا المجنون في حبك

وأنا الساكن في قلبك

جعلت الروح لك جسرا

فهل لي مقعد قربك؟

▪️

فلتقن مثل الماء، يجري دون صوت

ويهدم جبال الصخر في صمت طويل

العقل يبحث عن أبواب ليخرج منها

والحب يكسر الجدران ويمضي!

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.