▪️ نشرة أخبار روتينية
عدنا من الحرب
لم يأتِ الأعداء
أفرغنا الرشاشاتِ في دفاترنا القديمة
وكانت النتيجة
هذه الأشعار
▪️ حرب
في هذه الحرب
لستُ مع أي طرف
أنا مع هذه الكمية من الريح
التي تحمل ريشة صغيرة
إلى مكانٍ آمن
▪️ أجندة
ثلاثةُ أشياء
صنعتها هذا النهار:
التقيت ناشري
بشأن ديواني المقبل،
حدثت أصحابي في المقهى
عن ترتيباتِ حفل تأبيني،
وأخيراً زرت أمي
لأرى إن كانت قد عثرَتْ
على لعبتي
التائهةِ منذ عقود.
▪️ برد
أغلقنا النوافذ
لكنّ البرد
شخصٌ مهذب
يدخل من الباب
لديهِ مفتاح
استلمهُ مِن يد
مَن ماتوا.
▪️ انتحار
أحياناً أشكّ:
هل المُنتحرُ
شخصٌ فعلاً مهذّب؟
لماذا لا ينتظر دورَهُ؟
كلنا في الطابور.
▪️ الموت
الموتُ ليس عيباً
هو مجردُ خطأ
لا يتكرر.
▪️ عبث
هذه الليلة
أنجزتُ أشياءَ غاية في العبث:
كتبتُ رسالةً لمن لاَ يهمه الأمر،
ترجمتُ قصيدةً لأنسي الحاج إلى العربية،
أخذت صورة تذكارية مع أندي وارول دون رتوشات،
همست في أذن الموناليزا وجعلت ابتسامتها تنقشع،
وضعت اللبنات لرواية كوميدية تقتل فيها أجاثا كريستي كل القراء سواي.
هذه الليلة
أنجزت أشياءَ غاية في العبث:
قبّلت زوجتي،
وكتبت هذه القصيدة.
▪️ ادعاء
بنات مدينتي
يدّعين ولعهنَّ بالأدب الرّوسي
ولكن ولا واحدة انتحرت يوماً
في محطة الرباط – أكدال.
▪️ غزو
مقامي يقعُ ما بين القصبة والكاتدرائية
كلُّ ما استطعتُ فعلَهُ أثناء غزوي للأندلس أواخرَ 2013
هو إضافة العربية
إلى كيبورد الحاسوب الخاص بالفندق.
▪️ اكتشاف
فِي الفَجرِ على الشاطئ
وجدوا غريقاً
وزجاجة
الزجاجةُ كانت فارغةً
قلبُ الغريقِ كان مُحكمَ الإغلاق
وبداخلهِ
رسالة.
▪️ فن المستحيل
مطالبك كثيرة
تريدين هواءً جديداً كلَّ ساعة
تريدين سماءً غيرَ مستعملة
قمراً دائريا طيلة الشهر
وتريدين
أن يمرَّ نهرُ الأبدية الصغير قربَ شرفتنا في الطابَق الخامس
مطالبك كثيرة
تريدين أن أهاتفكِ ألفَ مرة في اليوم
وأن أسأل عنكِ وأنتِ نائمة
تريدين حديقةً في غرفة النوم وليلا في الظهيرة
مطالبك كثيرة
تريدين قصائدَ لك يوم الأحد وقصائد لصديقاتكِ في عيد ميلادهن
تريدين ألفَ شيء وشيء
وفوق ذلكَ تريدين
أن أتنازل لك نهائيا عن جهاز التحكم عن بعد
من أين لي بكل ما تطلبين؟
أنا مجرد شاعر!
مع ذلك
أعدكِ أني
سأحاول!
▪️ حفريات
السماء تطبُخ شمسها فوق رؤوسنا المليئة بالسفر والنوم:
قضينا ليلةَ أمسِ في التاريخ.
زرنا الحقب، الأنبياءَ والموتى،
زرنا الشعوب، الآلهة والمرافئ،
زرنا عصا موسى، وخبز المسيح المخبأ في عيون الجياع،
زرنا محمدا في غاره،
زرنا الوندال والسعديين،
زرنا الغزالي وأهديناه نظارات واشتراكا في الانترنيت،
زرنا ابنَ رشد وأهديناه قبلة،
زرنا البرامكة والبرغواطيين،
زرنا منديل إليسا وشممنا في عطرها حلم قرطاج،
زرنا خلخال بلقيس، تجارةَ العبيدِ وقسوةَ العرب الغزاة،
زرنا العباسةَ، اليمامةَ، وقهقهةَ المنجنيق،
لم نزر حاتما الطائي لضيق الوقت،
زرنا أهل الكهفِ على طرفِ قدم،
زرنا – من وراء سبعين حجاباً – أمهاتِنا الكثيرات وزوجات النبي،
زرنا ورقةَ بنَ نوفل وانتبهنا إلى “درجة الوعي في الكتابة” في اسمه،
زرنا العزى واللات،
زرنا مناة،
زرنا دار أبي سفيان ولم ندخل،
زرنا أبا جهل وعمرا قبلَ وبعد،
زرنا العادات والسلالات،
زرنا المسوداتِ والصحفَ الأولى،
زرنا التعاليم والمآرب،
زرنا بلالا قبيل الفجر أيقظناه،
زرنا أصحاب المائدة وأهديناهم موسوعة الأطباق الطائرة،
إذاك خرج من الموسوعة طبق فهبطنا عليه
وسمعنا أنفسنا نقول:
السماء تطبخ طبختها
تحرقنا بدم الأجداد
يحق لنا أن ننام الآن.
__________________________________
*عبدالهادي السعيد : يُعد الشاعر والروائي المغربي عبد الهادي السعيد أحد أبرز الأصوات المجددة في المشهد الشعري المغاربي المعاصر، وقد توج مساره الأدبي بعدد من الإصدارات البارزة والجوائز الوازنة:
تفاصيل السراب (1996): ديوانه الشعري الأول الذي صدر وهو في الثانية والعشرين من عمره، وشكل انطلاقته الحقيقية في المشهد الشعري.
لا وأخواتها (2003): عمل إبداعي واصل فيه حفرياته النصية وتمرده على القوالب الجاهزة.
روتين الدهشة (2004): كتابة شعرية تتأمل تفاصيل اليومي والعادي بسخرية سوداء ومفارقة عميقة.
سِفْر الوجوه (2021): ديوان بارز يزاوج فيه بين المفاهيم العلمية للفيزياء والكوانتم وعمق التابو الإنساني والوجودي.
الجوائز والتقدير النقدي : جائزة اتحاد كتاب المغرب (1996):توج بها عن ديوانه الأول “تفاصيل السراب”، ليكون شهادة ميلاد حقيقية لصوت شعري مغربي جديد يترك بصمته مبكراً في الخريطة الأدبية.
