أحمد خالد توفيق : العرّاب الذي صنع جيلاً كاملاً من القرّاء

كتبه : مصطفى شاكر _ العراق

لم يكن الدكتور أحمد خالد توفيق مجرد روائي مصري، بل كان ظاهرة أدبية عربية غيّرت علاقة الشباب بالقراءة. ففي وقتٍ كانت فيه الرواية العربية تُعدّ نخبويّة بالنسبة لكثيرين، استطاع بقدرته على أن يفتح أبواب الأدب أمام ملايين القرّاء، وأن يجعل الكتاب صديقًا لجيلٍ كامل، حتى استحق عن جدارة لقب “العرّاب”.

ولد أحمد خالد توفيق فراج في 10 حزيران/يونيو 1962م بمدينة طنطا في محافظة الغربية بمصر. درس في كلية الطب بجامعة طنطا وتخرج عام 1985م، ثم حصل على الدكتوراه في طب المناطق الحارة عام 1997م، وعمل أستاذًا في الجامعة. وعلى الرغم من نجاحه في الطب، فإن شغفه الحقيقي كان الأدب والكتابة، وهو الشغف الذي سيجعله واحدًا من أشهر وأمهر الكتّاب العرب في العصر الحديث.

بدأ رحلته الأدبية عام 1992م مع المؤسسة العربية الحديثة، وفي العام التالي صدرت أولى روايات سلسلة «ما وراء الطبيعة»، لتُحدث نقلة نوعية في أدب الرعب العربي. فقد قدم شخصية الدكتور رفعت إسماعيل الطبيب المسن الساخر، الذي يواجه الظواهر الخارقة والأحداث الغامضة بعقلية علمية وروح ساخرة، فأصبحت الشخصية واحدة من أشهر الشخصيات الروائية العربية، ونشأ معها جيل كامل من القراء.

لم يتوقف نجاحه عند الرعب، بل وسّع عالمه الأدبي عبر سلاسل أخرى حققت انتشارًا واسعًا، منها : ما وراء الطبيعة / فانتازيا / سفاري / الآن نفتح الصندوق، وغيرها.

كما كتب عددًا من الروايات التي أصبحت علامات بارزة في الأدب العربي الحديث، من أشهرها: يوتوبيا (2008)/ السنجة / في ممر الفئران / مثل إيكاروس / شآبيب / الغرفة رقم 207 / قهوة باليورانيوم / قصاصات قابلة للحرق، وغيرها الكثير.

امتاز أحمد خالد توفيق بأسلوب بسيط وسلس، لكنه كان يحمل أفكارًا فلسفية واجتماعية عميقة. لم يكن يكتب الرعب من أجل التخويف فقط، بل كان يستخدمه وسيلة لطرح أسئلة عن الإنسان، والخوف، والموت، والسياسة، والعلم، والمجتمع. ولهذا وجد فيه الشباب كاتبًا يشبههم ويتحدث بلغتهم دون تكلف.

استطاع أحمد خالد توفيق أن يجعل جيلاً كاملاً يحب القراءة لأنه كتب بلغة بسيطة وقريبة جدا من الشباب وتطلعاتهم، بعيداً عن التعقيد والتكلّف. ولم تكن رواياته مجرد قصص مشوقة، بل حملت أفكاراً إنسانية وثقافية جعلت القارئ يستمتع ويتعلم في الوقت نفسه.

ومن خلال شخصياته المميزة، وعلى رأسها الدكتور رفعت إسماعيل، شعر القراء بأنهم يعيشون الأحداث بأنفسهم، فارتبطوا بالكتاب وأصبحوا ينتظرون أعماله بشغف.

كان أحمد خالد توفيق يؤمن بأن القراءة متعة وليست واجباً، لذلك كان بالنسبة إلى كثيرين بوابة الدخول إلى عالم الأدب والثقافة، وما زال أثره حاضراً في كل قارئ بدأ رحلته مع الكتب بفضل مؤلفاته.

كما عُرف بترجماته وتبسيطه للأدب العالمي، فعرّف القارئ العربي على أعمال لكتاب كبار مثل جول فيرن وهربرت جورج ويلز وجورج أورويل وغيرهم، بأسلوب قريب من القراء الشباب.

ومن أشهر أقواله التي انتشرت بين محبيه: “ليس من الضروري أن يكون كلامي مقبولًا، من الضروري أن يكون صادقًا.” ويقول أيضًا: “أبشع ما قد يحدث للإنسان أن يعتاد النعمة، ثم يفقدها.” ومن كلماته التي لامست قلوب القراء: “الكتب لا تغيّر العالم لكنها تغيّر الأشخاص الذين سيغيّرون العالم.” وقال أيضًا: “النضج هو أن تدرك أن معظم الأشياء لا تستحق ردّ الفعل الذي كنت تمنحه لها.”

وفي عام 2020م تحولت سلسلة «ما وراء الطبيعة» التي كتبها أحمد خالد توفيق إلى مسلسل تلفزيوني حقق نجاحًا عربيًا وعالميًا، وأعاد تقديم شخصية رفعت إسماعيل إلى جيل جديد من المشاهدين، بينما تحولت روايته «الغرفة 207» إلى مسلسل آخر، مما أكد استمرار تأثير

وفي 2 نيسان/أبريل 2018، رحل أحمد خالد توفيق عن عمر ناهز 55 عامًا إثر مضاعفات قلبية بعد عملية طبية، فخيّم الحزن على ملايين القراء في العالم العربي، وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى دفتر عزاء كبير، في مشهد قلّ أن حظي به كاتب عربي معاصر.

لم يكن أحمد خالد توفيق كاتبًا للرعب فقط، بل كان صانع أحلام، ومعلّمًا غير مباشر لجيل كامل أحب القراءة بسببه. ترك أكثر من 200 كتاب بين رواية وقصة ومقال وترجمة، ولا يزال حضوره حيًا في المكتبات، وفي ذاكرة كل قارئ بدأ رحلته مع الأدب وهو ينتظر بشغف صدور عدد جديد من «ما وراء الطبيعة» أو «فانتازيا» أو «سافاري».

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.