من الطير إلى الغريب : تحولات الرمز في أدب الرحلة الروحية

كتبه : علي رضا حائري _ العراق

لم يكن الحيوان في الأدب الفارسي كائنًا يُستدعى لإضفاء مسحةٍ من الخيال على الحكاية، بل كان لغةً رمزية يُخفي الكاتب وراءها رؤيته للإنسان والعالم.فمنذ الحكايات الأخلاقية في «كليلة و دمنة» و«قصص الأمير مرزبان على لسان الحيوان»، حيث تنطق الحيوانات بالحكمة وتكشف عن طبائع البشر،مرورًا بالمنظومات الساخرة التي اتخذت من الحيوان قناعًا للنقد الاجتماعي و الديني كمنظومة « ميش و گربه/القط و الفأر» للشيخ البهائي، ظل الرمز الحيواني وسيلةً للتعبير عن المعاني التي تعجز اللغة المباشرة عن حملها، أو التي يختار الأديب أن يكسوها ثوب الحكاية لتبلغ القلوب قبل العقول.

 

ولم يقتصر هذا النهج على الأدب الفارسي؛ فقد عرفه الأدب العالمي أيضًا، ولعل أشهر نماذجه الحديثة رواية «مزرعة الحيوان» للروائي الأنجليزي جورج أورويل،التي تحوّلت فيها شخصيات الحيوانات إلى مرآةٍ للسلطة والمجتمع والإنسان و وسيلةٍ للنقد السياسي غير المباشر.غير أن الرمز في الأدب الفارسي اتخذ مسارًا آخر؛ إذ تجاوز النقد الأخلاقي والاجتماعي ليصبح وسيلةً للكشف عن الرحلة الباطنية للإنسان، فغدا الطير رمزًا للنفس، والطيران استعارةً للعودة، والغربة اسمًا آخر لحنين الروح إلى موطنها الأول.

 

ومن هذا الأفق الرمزي وُلدت أعمالٌ مثل «رسالة الطير لابن سينا»، و«رسالة الطير للغزالي»، و«قصة الغربة الغريبة للسهروردي»، و«منطق الطير للعطار النيشابوري».بل وحتى قصيدة «نى نامه/ رسالة الناي» في المجلد الأول من المثنوي المولوي، وهذه النصوص، على اختلاف مناهجها، لا تجمعها وحدة الرمز بقدر ما يجمعها سؤالٌ واحد: ما حقيقة الإنسان، وكيف يعود الإنسان إلى الحقيقة التي غادرها، أو غفل عنها، منذ أن بدأ رحلته في هذا العالم؟ لعل أكثر الرموز خلودًا في التراث الإسلامي هو الرمز الذي يعبّر عن الرحلة؛ فالإنسان، في نظر الحكماء والعرفاء، ليس مقيمًا في هذا العالم، وإنما مسافرٌ انقطعت به السبل عن وطنه الأول، فأصبح العمر كله محاولةً للعودة. ومن هنا لم تكن الحكايات الرمزية التي صاغها ابن سينا، والغزالي، والسهروردي، والعطار قصصًا عن الطيور أو الغرباء، بقدر ما كانت خرائط مختلفة لرحلة الإنسان نحو حقيقته.

 

ففي رسالة الطير لابن سينا، يبدأ الطريق من سؤالٍ فلسفي: ما حقيقة النفس؟ ولماذا تشعر بالغربة في هذا العالم؟ لذلك جاء الطير رمزًا للنفس العاقلة التي أُسرت في قفص المادة، لكنها لم تفقد ذاكرتها الأولى. إن الرحلة هنا ليست هروبًا من العالم، وإنما عودة إلى الأصل، ولا يتحقق ذلك إلا حين تتحرر النفس من ثقل المحسوس، وترتقي إلى عالمها الذي انحدرت منه والذي أشار إليه في قصيدتهِ «العينية» المعروفة. وهكذا يبقى الرمز في خدمة الفلسفة، وتبقى الحكاية وسيلةً لشرح قضية عقلية.

 

وعندما نصل إلى رسالة الطير للغزالي، نلحظ أن الرمز نفسه قد بقي، لكن الروح التي تسكنه قد تبدلت. فلم يعد الحديث عن النفس بوصفها موضوعًا للتأمل، بل بوصفها ميدانًا للمجاهدة. إن الغربة لم تعد مشكلةً معرفية، وإنما صارت حالةً أخلاقية؛ إذ لا يعود الإنسان إلى وطنه بمجرد أن يعرف الطريق، بل حين يتخفف من أعبائه، ويزكي قلبه، ويجعل السير إلى الله سلوكًا يوميًا قبل أن يكون فكرةً فلسفية.

 

ومع السهروردي لا يتغير الرمز فحسب، بل تتغير طبيعة السرد نفسها؛ إذ يغيب الطير ليحل الإنسان محلَّه، وتتحول الرحلة من استعارة للطيران إلى تجربة وجودية يعيشها الغريب بنفسه كتجربة قصة «يحيى بن يقظان» لأبن الطفيل وابن سينا إن السهروردي لا يصف انتقالًا من مكان إلى مكان، بل يصور اغتراب النور في عالم الظلمة، وحنين الروح إلى عالمها المشرق. ولم تعد العودة رحلةً عقلية كما عند ابن سينا، ولا مجاهدةً أخلاقية كما عند الغزالي فحسب، بل أصبحت انكشافًا للنور الكامن في النفس، واستعادةً للهوية النورانية التي حجبتها كثافة العالم الحسي كما عبّر المولى السبزواري عن هذا المعنى في المنظومة بقولهِ : وإنَّما الشواغل الحسّيَّة قد    حجزتْ نفوسَنا النوريَّة

 

ثم يأتي العطار في منطق الطير ليمنح الرحلة أفقًا جديدًا. فبعد أن كانت رحلة فردٍ يبحث عن خلاصه، أصبحت رحلة جماعةٍ تبحث عن حقيقتها. لم يعد السالك نفسًا واحدة، بل عالمًا كاملًا من الطبائع والرغبات والأعذار. وكل طائر يحمل صورةً من صور الإنسان، حتى تغدو الرحلة مرآةً للنفس البشرية بكل تناقضاتها. ولا ينتهي السفر باكتشاف مكانٍ جديد، بل باكتشاف أن الحقيقة التي طال البحث عنها كانت كامنةً في أعماق السالك نفسه، وأن الوصول ليس انتقالًا في الجغرافيا، بل تحولًا في الوجود.

 

واللافت أن هذه المؤلفات، على اختلاف مناهجها، تشترك في بنية واحدة تكاد لا تتغير. فهناك دائمًا شعور بالغربة، ثم تذكّر لوطنٍ مفقود، ثم دعوة إلى الرحيل، ثم طريقٌ تعترضه العقبات، وأخيرًا لحظة انكشاف الحقيقة.

 

أما الذي يتغير فهو تفسير هذه الرحلة: فالفيلسوف يفسرها بلغة العقل، والمتصوف يفسرها بلغة السلوك، وصاحب الحكمة الإشراقية يفسرها بلغة النور، بينما يحولها الشاعر إلى ملحمةٍ إنسانية تتجاوز حدود الفرد لتشمل الوجود بأسره.

 

ولعل هذا التطور يكشف أن الرمز لم يكن ثابتًا، بل كان حيًا يتشكل بحسب الرؤية التي تحمله. فالطير عند ابن سينا ليس هو الطير عند الغزالي، والغريب عند السهروردي ليس بديلاً عن الطير، بل هو امتداد له، كما أن سرب العطار ليس مجرد جمعٍ للطيور، بل هو انتقال من تجربة الفرد إلى تجربة الجماعة.إن الذي بقي ثابتًا في جميع هذه الأعمال ليس صورة الرمز، وإنما السؤال الذي يحمله: كيف يعود الإنسان إلى حقيقته الأولى؟ ومن هنا يمكن القول إن هذه النصوص الأربع لا تمثل سلسلةً من التأثيرات الأدبية فحسب، بل مراحل متعاقبة في تطور الوعي بالرحلة الروحية.

 

فقد بدأ الرمز أداةً لتقريب فكرة فلسفية، ثم صار وسيلةً للتربية الروحية، ثم تحول إلى رؤية إشراقية للوجود، قبل أن يبلغ ذروته الفنية في الملحمة الصوفية.وهكذا ظل الطريق واحدًا، وإن تبدلت الأقدام التي تسير فيه، وتغيرت الأسماء التي أطلقها كل مؤلف على مسافره.

 

وهكذا تنتقل رحلة الطير و سفر الغريب من حكمة العقل، إلى إشراق القلب، ثم إلى فناء الذات؛ فلا تعود دعوةً إلى الهرب من العالم، بل إلى التحرر من كل ما يحول بين الإنسان وبين حقيقته. وربما كانت الحكمة التي اتفق عليها هؤلاء الأعلام، وإن اختلفت مناهجهم، أن أقصر الطرق إلى السماء لا يبدأ من رفرفة الجناحين أو المشيُ بخُفين،بل من خفة القلب و هِمتِ الروح؛فكلما خفَّ من أثقال الهوى،اقترب من الأفق الأعلى الذي خُلِق ليحلّق فيه..

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.