أثار توقيع اتفاقية الدفاع الثلاثية بين المملكة العربية السعودية وپاکستان وتركيا، وتعهد هذه الدول الثلاث بالدفاع عن بعضها البعض، ردود فعل متباينة في إيران. فقد حاولت نسبة كبيرة من التيار الإعلامي الرسمي، وخاصة هيئة الإذاعة والتلفزيون، إظهار هذا الاتفاق مجرد خطوة سياسية ودبلوماسية، أو بتعبير دقيق “طبل أجوف”، وكأن هذه المعاهدة خالية من أي قدرات وتداعيات عسكرية وأمنية حقيقية.
إلا أن هذا النوع من السرديات يواجه تناقضاً خطيباً. فمن جهة، حاول أعضاء المعاهدة وحتى المسؤولون الرسميون الإيرانيون التأكيد على أن هذا الاتفاق لم يُصمم ضد دولة معينة، بما في ذلك إيران؛ ومن جهة أخرى، قامت وسائل الإعلام الرسمية في البلاد بتقديمه عملياً على أنه معاهدة موجهة ضد إيران. ولا يقدم هذا النهج صورة واضحة عن الواقع للمتلقي فحسب، بل يمكنه في الظروف الحساسة الراهنة أن يزيد من التكاليف السياسية والدبلوماسية للبلاد، ويزيد من قرع طبول العزلة الإقليمية لإيران. وفي الوقت نفسه، فإن تقويض دور پاکستان وتركيا في الوساطات الإقليمية من شأنه أن يقلص الفرص الدبلوماسية الإيرانية أكثر فأكثر. ويمكن اعتبار هذا الوضع مؤشراً على الفجوة القائمة بين ضرورات نظام الحكم وجزء من المنظومة الإعلامية الرسمية.
لكن الواقع يتمثل في أنه لا يمكن تجاهل الأهمية الاستراتيجية لهذه المعاهدة. ورغم أن النص الرسمي للاتفاق لم يُشر إلى إيران كطرف مستهدف أو كعدو، إلا أن أحد الأدوار الأساسية للمعاهدة في الظروف الحالية يتمثل في خلق قوة ردع ضد أي تحرك عسكري إيراني محتمل ضد السعودية. فالرياض، بالاعتماد على مكانتها في سوق النفط العالمية، والموارد المالية الناتجة عن عائدات النفط، وعلاقاتها الواسعة مع القوى الكبرى، تعمل على بناء طبقة أمنية جديدة حول نفسها؛ وهي طبقة تمنحها مشاركة پاکستان وتركيا وزناً عسكرياً وسياسياً أكبر.
إن طبيعة المعاهدة، أكثر من كونها تحالُفاً عسكرياً بالمعنى الكلاسيكي، تشكل نوعاً من الردع العسكري المدعوم سياسياً. فالتعاون في المجالات الدفاعية والأمنية، وتبادل المعلومات، وإجراء التمارين العسكرية المشتركة، وتنسيق المواقف، وتطوير التعاون العسكري، من شأنه أن يخلق تدريجياً قدرات مشتركة تغير الحسابات الأمنية في المنطقة. وعليه، فإن الطابع السياسي للمعاهدة لا يعني أبداً عدم فعاليتها في المجال العسكري.
وفي هذا السياق، فإن أدوار الدول الثلاث ليست متطابقة. فمن غير الواقعي تماماً تصور أن تحصل پاکستان في أي حرب محتملة مع الهند، أو تركيا في أي نزاع مع روسيا، على دعم عسكري من العضوين الآخرين استناداً إلى معاهدة مكة؛ لكن الوضع يختلف تماماً بالنسبة للسعودية. ففي حال وقوع صدام مباشر يهدد أمن السعودية، ليس من الصعب تصور تقديم الدعم العسكري والأمني من قِبل پاکستان وتركيا. بطبيعة الحال، فإن الهدف الأساسي للمعاهدة هو منع نشوب مثل هذه الحرب من الأساس؛ فكلما ارتفعت تكلفة التحرك العسكري ضد أي دولة، انخفض احتمال اندلاع الحرب. وقد أدت پاکستان في التطورات الأخيرة دوراً مشابهاً إلى حد ما في الحيلولة دون اتساع نطاق النزاع الإقليمي.
ومن هذا المنظور، يُعد خطأً كبيراً اعتبار الطبيعة الرادعة للمعاهدة مجرد أمر سياسي بحت، والاستنتاج بأننا أمام “طبل دبلوماسي أجوف”. فهذا الاتفاق يمكنه، في حال استمراره، أن يشكل منظومة من التعاون العسكري والأمني الذي يؤثر تدريجياً على الهندسة الأمنية للمنطقة. فالسعودية تقدم الموارد المالية والاقتصادية، وپاکستان تجلب القدرة العسكرية والقدرة النووية، بينما تدخل تركيا بجيشها القوي وخبرتها العسكرية ومكانتها الجيوسياسية الخاصة إلى هذه الترتيبات. ومن شأن دمج هذه الطاقات أن يخلق قوة ردع معتبرة، ونتيجة لذلك، يؤثر على حرية المناورة لبقية الأطراف الإقليمية، بما فيها إيران.
ولا تقتصر أهمية هذا التطور بطبيعة الحال على المجال العسكري فحسب؛ فأي تغيير في الهيكل الأمني للخليج الفارسي سينعكس عاجلاً أو آجلاً على البنية السياسية والاقتصادية للمنطقة. إن تشكيل ممرات تجارية جديدة، وتغيير مسارات نقل الطاقة، وتقليص الاعتماد على بعض الطرق التقليدية، يمكن أن يؤثر على المدى الطويل على المكانة الجيوسياسية لإيران وأهمية مضيق هرمز. ومن هذا المنطلق، يجب النظر إلى معاهدة مكة كجزء من مسار أكبر لإعادة الترتيب السياسي والأمني والاقتصادي في غرب آسيا؛ وهو مسار قد تعززه أيضاً مساندة أو مواكبة قوى من خارج المنطقة، مثل الولايات المتحدة والصين.
وبناءً عليه، فإن اختزال معاهدة مكة في مجرد خطوة دعائية أو “طبل أجوف” لا يمثل تحليلاً واقعياً، بل هو نوع من السذاجة السياسية. ومثلما يُعد تضخيم هذه المعاهدة وتصويرها كتحالف عسكري متكامل خطأً، فإن التقليل من شأنها يعد أمراً خطيراً أيضاً. لذا، يتوجب على الدوائر السياسية والخبيرة في إيران دراسة هذا الاتفاق من أبعاده العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والجيوسياسية، وتكييف مسار السياسة الإقليمية للبلاد بناءً على إدراك دقيق لأهدافه وتداعياته.
_________________________________
▪️ المصدر : عن موقع عصر إيران
