من طين الرافدين إلى تحفة فنية || حكاية الفخار والخزف العراقي بين الماضي والحاضر

كتبه : مصطفى شاكر _ فنان تشكيلي عراقي

من بين الأشياء التي تبدو بسيطة في حياة الإنسان، يأتي الطين بوصفه واحدًا من أكثر المواد ارتباطًا بتاريخ العراق. مادة لينة تلتصق باليد، لكنها حين تجف وتدخل النار تتحول إلى شيء قادر على البقاء آلاف السنين.

ومن هذا الطين بدأت حكاية طويلة في بلاد الرافدين حكاية لم تكن صناعة أواني فقط، وإنما واحدة من الطرق التي عبّر بها الإنسان العراقي القديم عن حياته ومعتقداته وبيئته وذوقه الجمالي.

عرف الإنسان في بلاد الرافدين صناعة الفخار منذ عصور مبكرة، واستُخدم لصناعة الأواني والجرار وحفظ الماء والحبوب والمواد الغذائية، ثم تطورت الأشكال والزخارف والتقنيات حتى أصبح الفخار نفسه وثيقة فنية وتاريخية.

وتشير الدراسات الفنية العراقية إلى أن الفخار الرافديني لم يكن مجرد أداة نفعية، بل حمل رموزًا وزخارف مرتبطة بالمعتقدات والبيئة والحياة اليومية.

▪️ حين كان الطين ذاكرة
ربما تكمن خصوصية الفخار العراقي في أن الفنان لم يكن بحاجة إلى مواد نادرة حتى يصنع عمله. كان يحتاج إلى الأرض والماء والنار واليد.

يأخذ الطين من الأرض، يخلطه بالماء، يعجنه، ثم يبدأ بتشكيله بيديه أو على الدولاب. وبعد أن يأخذ الشكل المطلوب يتركه ليجف.

ثم يدخل إلى النار. وهنا تحدث اللحظة الأهم. النار التي يمكن أن تدمر الطين إذا أسيء استخدامها هي نفسها التي تمنحه صلابته وقدرته على البقاء.

ولهذا ارتبطت صناعة الفخار منذ القدم بفكرة التحول التراب يتحول إلى شكل، والشكل يتحول إلى أثر، والأثر يتحول بعد آلاف السنين إلى وثيقة عن الإنسان الذي صنعه.

الفخار ليس هو الخزف تماما، هناك فرق فني بين المصطلحين، الفخار هو الطين الذي يُشكّل ثم يُحرق، وغالبًا يبقى مساميًا بحسب نوع الطينة ودرجة الحرق.

أما الخزف فيرتبط بمراحل أكثر تطورًا في المعالجة والحرق، وقد يدخل فيه التزجيج والطلاءات التي تمنح السطح ألوانًا ولمعانًا وخصائص مختلفة.

ومع تطور الصناعة الفنية أصبحت القطعة الخزفية لا تؤدي وظيفة عملية فحسب، بل أصبحت عملًا فنيًا قائمًا بذاته.

وهذه النقلة مهمة جدًا في تاريخ الفن العراقي الحديث لأن الخزاف لم يعد يفكر فقط في صناعة إناء يصلح للاستخدام، وإنما بدأ يفكر في الكتلة والفراغ والسطح واللون والملمس والرمز.

وتؤكد دراسات عراقية أن الخزف المعاصر تجاوز الوظيفة النفعية وأصبح مجالًا للتعبير عن الأفكار والقيم والمفاهيم الفنية.

استمرت صناعة الفخار في العراق عبر الأجيال، وبقيت في عدد من المناطق مرتبطة بالحياة اليومية. في بغداد ومناطق أخرى، ظل الخزافون يعملون بأدوات بسيطة وتقنيات متوارثة، بينما حافظت بعض العائلات على المهنة ونقلتها من الآباء إلى الأبناء.

وهنا يصبح الفخار أكثر من قطعة فنية. إنه مهنة وذاكرة عائلية واقتصاد محلي وتراث حي.

▪️ الخزف العراقي الحديث من الصناعة الشعبية إلى الفن التشكيلي
في منتصف القرن العشرين بدأ فصل جديد في القصة. دخل الخزف بصورة أكثر وضوحًا إلى الحركة التشكيلية العراقية الحديثة، وبدأ الفنانون العراقيون ينظرون إلى الطين بطريقة مختلفة.

لم يعد الهدف محاكاة الأواني القديمة فقط، وإنما البحث عن لغة فنية جديدة. فالقطعة قد تكون مستوحاة من شكل قديم، لكن الفنان يعيد صياغتها بلغة معاصرة.

وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن الخزف العراقي المعاصر بدأ يتبلور بصورة واضحة في خمسينيات القرن العشرين، مع بحث الخزافين عن صيغ وأساليب جديدة تتجاوز الشكل التقليدي.

وهكذا دخلت إلى الخزف مفاهيم جديدة مثل التجريد والتكعيبية والاختزال والرمزية، وأصبح السطح الخزفي مساحة للتجريب.

وقد استفاد الخزاف العراقي من الإرث الرافديني، لكنه لم يتوقف عند تقليده. وهذه نقطة أساسية في فهم الخزف العراقي الحديث. الفنان لم يكن يريد إعادة الماضي كما هو، بل كان يريد أن يجعل الماضي مادة لصناعة الحاضر.

وفي أعمال الخزاف العراقي المعاصر يمكن أن نجد أحيانًا إشارات إلى الذاكرة الرافدينية أشكال تشبه الأختام القديمة، أجساد بشرية مختزلة، رموز هندسية، كتابات وإشارات تستحضر الموروث القديم.

لكنها تظهر بلغة جديدة. وهنا يصبح الطين أشبه بحوار بين زمنين، زمن الإنسان الذي صنع أول إناء في بلاد الرافدين، وزمن الفنان الذي يقف اليوم أمام قطعة طين ويسأل نفسه: ماذا يمكن أن أصنع منها؟ وهذه العلاقة بين الماضي والحاضر كانت من السمات المهمة في تطور الخزف العراقي المعاصر.

▪️ سعد شاكر وتحول الخزف إلى نحت
كان الفنان العراقي سعد شاكر من الأسماء البارزة في مسيرة الخزف العراقي الحديث، وقد تجاوز في أعماله حدود الوظيفة النفعية للقطعة الخزفية، واتجه إلى بناء أشكال ذات طبيعة نحتية وتجريدية.

وتشير مصادر أكاديمية عراقية إلى أن تجربته كانت من التجارب الرائدة التي دفعت الخزف العراقي نحو صياغات أكثر استقلالًا، بحيث أصبح الشكل الخزفي يحمل قيمة جمالية وتشكيلية خاصة به.

وبهذا المعنى أصبح الخزف قريبًا من النحت. القطعة لم تعد مجرد وعاء. أصبحت كتلة لها حضورها في الفضاء. يمكن النظر إليها من الأمام والجانب والخلف، ويمكن دراسة الظلال التي تصنعها، والفراغات الموجودة داخلها وحولها.

الطين يتغير لكن الذاكرة لا تختفي، من أجمل ما في الخزف العراقي أن التطور لم يلغِ الماضي. فالخزاف المعاصر يمكن أن يستخدم فرنًا حديثًا ومواد تزجيج متطورة، لكنه ما زال يتعامل مع المادة نفسها التي عرفها الإنسان العراقي القديم.

وهذا ما يجعل الخزف أحد الفنون التي تختصر فكرة الاستمرارية الحضارية. المادة القديمة ما زالت موجودة. لكن اليد تغيرت. والفكرة تغيرت. والتقنية تغيرت. والنتيجة أصبحت أكثر قربًا من الفن التشكيلي المعاصر.

وقد تناولت الدراسات الحديثة في العراق تأثير المدارس الفنية الحديثة، ومنها التكعيبية، في الخزف العراقي، مع الإشارة إلى أن بعض الفنانين استفادوا من التراث الرافديني مع إعادة صياغته ضمن رؤى معاصرة.

▪️ ما لا تكسره النار
ولعل أفضل دليل على أن الخزف العراقي لم يصبح مجرد حرفة من الماضي، هو استمرار المعارض الفنية المتخصصة.

ففي 11 نيسان 2026 افتُتح معرض الخزف العراقي المعاصر في بغداد تحت عنوان «ما لا تكسره النار»، بمشاركة نحو 60 فنانًا وفنانة من أجيال مختلفة، وضم المعرض أكثر من 80 عملًا خزفيًا بحسب ما أعلنته جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين.

والعنوان نفسه يحمل معنى جميلًا. فالنار التي صنعت الفخار منذ آلاف السنين لم تعد مجرد مرحلة تقنية، أصبحت رمزًا. النار تختبر الطين. والفنان يختبر فكرته.
وما ينجو من النار يصبح قادرًا على البقاء.

فعندما يصبح الخزف سجلًا للعراق، من طينٍ كانت تُبنى منه الأواني والبيوت، إلى خزفٍ يُعرض اليوم في قاعات الفن، ظل الطين يحمل شيئًا من ذاكرة المكان.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.