إسماعيل فتّاح الترك الفنان الذي حوّل القبة إلى رمزٍ عراقي خالد
أعداد : مصطفى شاكر _ فنان تشكيلي عراقي
وُلد إسماعيل فتّاح الترك في البصرة عام 1934م، ونشأ منذ طفولته محبًا للرسم وتشكيل الطين. وتشير سيرته إلى أنه كان يصنع في صغره مجسمات من الطين والكرتون ويرسم على الجدران والسفن في ميناء العشار، وهي بدايات تكشف مبكرًا عن علاقته بالنحت والمواد الخام.
انتقل إلى بغداد للدراسة في معهد الفنون الجميلة، حيث درس الرسم أولًا وتخرج عام 1956م، ثم درس النحت وتخرج عام 1958م. وكان من الشخصيات الفنية المؤثرة في تكوينه الفنان جواد سليم، الذي شجعه على اختيار النحت طريقًا فنيًا له.
بعد ذلك سافر إلى إيطاليا في بداية الستينيات، ودرس في أكاديمية الفنون الجميلة في روما، وحصل على دبلوم في النحت عام 1963م، ثم درس السيراميك أيضًا. وهناك احتك بالفن الأوروبي الحديث، وهو ما ساعده على تطوير أسلوبه الخاص الذي جمع بين التجريد والتعبير الإنساني والمرجعيات العراقية.

▪️ فنان لم يكن النحت عنده مجرد تمثال
تميزت تجربة إسماعيل فتاح الترك بأنه لم ينظر إلى النحت بوصفه مجرد تقليد لشكل الإنسان أو الشخصية، بل تعامل مع الكتلة والفراغ والحركة والرمز بوصفها لغة فنية.
كما عمل مدرسًا في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد لسنوات طويلة، وأسهم في تعليم أجيال من الفنانين العراقيين.

▪️ نصب الشهيد العمل الذي خلّد اسمه
حين يُذكر إسماعيل فتّاح الترك، فإن أول ما يتبادر إلى الذاكرة هو نصب الشهيد في بغداد، أحد أشهر الأعمال الفنية والمعمارية في العراق الحديث.
بدأت قصة النصب عندما فاز الترك بمسابقة تصميمه عام 1978م، ثم عمل على المشروع بالتعاون مع المعماري سامان أسعد كمال ومجموعة بغداد المعمارية. واستمر التصميم والتنفيذ خلال الفترة الممتدة تقريبًا بين 1981 و1983، وافتُتح النصب عام 1983م.

والنصب ليس تمثالًا تقليديًا لشخص أو بطل، وإنما فكرة معمارية ضخمة تقوم على قبة إسلامية مشطورة إلى نصفين.
استلهم الترك شكل القبة من العمارة الإسلامية، ولا سيما القباب العباسية، لكنه أعاد صياغتها بطريقة حديثة جدًا ومن مسافة معينة تبدو القبتان كأنهما قبة واحدة، ثم يبدأ الانفصال بينهما بالظهور كلما تغيّرت زاوية رؤية المشاهد.
وهنا تظهر عبقرية الفكرة النصب لا يُقرأ من زاوية واحدة، بل يتغير بصريًا مع حركة الإنسان حوله. فماذا أراد الترك أن يقول؟
لم يكن الترك يريد أن يصنع مشهدًا عسكريًا مباشرًا أو تمثالًا تقليديًا لجندي يحمل سلاحًا. بل اتجه إلى فكرة أكثر تجريدًا، الحياة في مواجهة الموت.
وفي حديث منسوب إلى الترك عن مراحل تصميم النصب، أوضح أنه جرّب في البداية فكرة خروج الشهيد من مركز النصب، لكنه لم يقتنع بها لأنها بدت له مسرحية أكثر من اللازم، ثم بدأت تتشكل لديه فكرة العلاقة بين الموت والحياة، والشهادة والخصوبة وتيار الحياة.
ومن هنا جاءت القبتان كأنهما كتلتان تتحركان وتتباعدان، وفي قلبهما مساحة تحمل الرموز الأساسية للنصب، فاختيار اللون الأزرق الفيروزي لم يكن تفصيلًا ثانويًا.
اللون يجعل النصب مختلفًا بصريًا عن البيئة المحيطة به، ويمنحه حضورًا يكاد يكون سماويًا، بينما تستحضر القبة في شكلها العام الذاكرة المعمارية الإسلامية والعراقية.
ويبلغ ارتفاع القبتين نحو 40 مترًا، ويقام النصب على منصة دائرية واسعة وسط بحيرة اصطناعية. ففي قلب النصب تظهر رموز مرتبطة بفكرة التضحية والحياة فالراية العراقية تتوسط الفراغ بين القبتين، كما يرتبط الماء في تصميم النصب بفكرة الدم والحياة واستمرارها.
وبذلك لم يستخدم الترك اللغة الواقعية المباشرة، وإنما جعل الماء والضوء واللون والفراغ والقبة والعلم عناصر تتحدث بدلًا من التمثال التقليدي.
▪️ إسماعيل الترك وأعماله الأخرى في بغداد
لم يكن نصب الشهيد العمل الوحيد الذي ترك فيه الترك أثره في بغداد. فمن أعماله المعروفة تمثال أبي نواس البرونزي في شارع أبي نواس، وهو من الأعمال التي أصبحت مرتبطة بالمشهد البغدادي.
كما أنجز أعمالًا لشخصيات عراقية وعربية بارزة، منها معروف الرصافي، عبد المحسن الكاظمي، يحيى الواسطي، والفارابي، إضافة إلى أعمال جدارية ونحتية في عدد من المؤسسات والمباني العراقية.
ومن الأعمال المهمة أيضًا جدارية الطب العربي القديم من البرونز والرخام، وأعمال مرتبطة بدجلة والفرات، فضلًا عن أعماله في قصر المؤتمرات ببغداد.
▪️ بين التراث والحداثة
إن أهم ما يميز تجربة إسماعيل فتاح الترك هو أنه لم يقع في مواجهة بين التراث والحداثة. بل حاول أن يجعل الاثنين يلتقيان.
ففي نصب الشهيد نرى القبة التي تحمل ذاكرة العمارة الإسلامية، لكننا نراها بطريقة تجريدية حديثة. وفي تماثيله للشخصيات التاريخية، لم يكن هدفه مجرد إعادة إنتاج الوجه والجسد، بل كان يحاول أن يمنح الشخصية حضورًا فنيًا يتجاوز الشكل الخارجي.
ولهذا أصبحت تجربته واحدة من التجارب المهمة في انتقال النحت العراقي من التمثيل التقليدي إلى النحت الحديث والتجريدي.
▪️ سنواته الأخيرة ورحيله
واصل الترك نشاطه الفني والتشكيلي حتى سنواته الأخيرة، وعمل في قطر خلال فترة من حياته، وأنجز هناك أعمالًا نحتية ورسمية، قبل أن تتدهور حالته الصحية.
وفي عام 2004 كان يعاني من مرض السرطان، وأصر في أيامه الأخيرة على العودة إلى بغداد، ليرحل في مدينته في 21 تموز/يوليو 2004 عن عمر يقارب السبعين عامًا.
رحل الفنان، لكن أعماله بقيت شاهدة في شوارع بغداد وساحاتها ومؤسساتها. وأصبح نصب الشهيد تحديدًا أكثر من مجرد عمل فني مرتبط بالظرف التاريخي الذي شُيّد فيه؛ إذ تحول مع مرور الزمن إلى واحد من أبرز رموز بغداد البصرية وإلى نصب يستحضر فكرة الشهادة والذاكرة العراقية بصورة أوسع.
لم يترك إسماعيل فتاح الترك وراءه مجرد تماثيل من البرونز أو أعمالًا من الحجر. لقد ترك طريقة مختلفة في النظر إلى الفن. طريقة تجعل القبة تتكلم، والماء يرمز، والفراغ يصبح جزءًا من العمل، واللون يتحول إلى ذاكرة.
ولهذا فإن الوقوف أمام نصب الشهيد لا يعني النظر إلى مبنى ضخم فحسب، بل الوقوف أمام واحدة من أكثر المحاولات الفنية جرأة لتحويل فكرة الموت والحياة والذاكرة إلى لغة بصرية عراقية خالدة.
