زمرد خاتون .. قبرٌ عباسي يقاوم الزمن ومقبرةٌ تحمل ذاكرة بغداد
أعداد : مصطفى شاكر _ العراق
في قلب جانب الكرخ من بغداد، وبين قبور مقبرة الشونيزيه بجوار ضريح الشيخ معروف الكرخي، يقف بناء أثري مختلف عن معظم ما بقي من عمارة بغداد القديمة؛ قبة مخروطية مرتفعة من الطابوق، تتدرج نحو الأعلى في طبقات من المقرنصات، وتبدو وكأنها قطعة من بغداد العباسية ما زالت تقاوم الزمن.
إنها التربة التي تضم رفات زمرد خاتون، المعروفة شعبياً لدى كثير من البغداديين باسم «قبة الست زبيدة» لكن الاسم الشعبي لا يطابق الحقيقة التاريخية فغالبية الدراسات التاريخية تنسب المرقد إلى زمرد خاتون، زوجة الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله ووالدة الخليفة الناصر لدين الله، التي توفيت سنة 599هـ/1202م.

▪️ من هي زمرد خاتون؟
زمرد خاتون واحدة من النساء اللواتي ارتبط اسمهن بالعمران والرعاية الثقافية في العصر العباسي المتأخر. كانت زوجة الخليفة المستضيء بأمر الله، وأم الخليفة الناصر لدين الله، وقد ارتبط اسمها بإنشاء مؤسسات دينية وتعليمية وأوقاف في بغداد.
وقبل وفاتها أُنشئت لها تربة خاصة بالقرب من مقبرة الشيخ معروف الكرخي، لتصبح بعد ذلك واحدة من أبرز الشواخص المعمارية الباقية من بغداد العباسية المتأخرة. وتشير المصادر إلى أن جنازتها كانت مشهداً كبيراً، وأن أهل بغداد حزنوا عليها عند وفاتها.
ولكن : لماذا يقال أحياناً أن هذه الشهادة تضم قبر زبيدة؟ فهنا واحدة من أكثر الحكايات إثارة حول هذا المرقد.
اشتهر المكان بين الناس باسم «قبر الست زبيدة»، ونُسب لفترة طويلة إلى زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد. لكن الدراسات التاريخية اللاحقة رجحت أن المرقد يعود إلى زمرد خاتون وليس إلى زبيدة.
ويشير مصدر معماري متخصص إلى أن المرقد كان قد عُرّف في بعض المصادر الأوروبية القديمة خطأً على أنه قبر زبيدة، قبل أن ترجح الدراسات التاريخية نسبته إلى زمرد خاتون. كما تذكر مصادر تاريخية أن زبيدة دُفنت في مقابر قريش بالكاظمية، وهو ما عزز الرأي القائل بأن المرقد الموجود في الكرخ ليس قبرها.
وهكذا أصبحت القبة تحمل مفارقة جميلة اسم شعبي شهير لا يطابق هوية صاحبة المرقد، بينما تكشف الدراسات التاريخية عن شخصية أخرى تقف خلف هذا الأثر.

▪️ تحفة من العمارة العراقية
إن أهم ما يميز مرقد زمرد خاتون ليس عمره فقط، بل طريقته المعمارية الفريدة، وقبته ذات الطراز العباسي المميز
وإذ يقوم البناء على قاعدة مثمنة الأضلاع، وترتفع فوقها قبة مخروطية مغطاة بطبقات من المقرنصات الطابوقية. أما الجدران الخارجية فتضم زخارف هندسية ونباتية وأشكالاً محفورة في الطابوق.
ويعد هذا النوع من القباب المخروطية من السمات المهمة في العمارة العراقية خلال العصور الإسلامية الوسطى، ولا سيما في العراق، حيث تطورت تقنيات استخدام الطابوق والجص إلى أشكال زخرفية
وهندسية شديدة التعقيد.
وتظهر المقرنصات في الجزء العلوي وكأنها درجات متراكبة تصغر كلما ارتفعت، وهو ما يمنح القبة شكلها المخروطي المميز. وفي داخل البناء توجد فتحات صغيرة تسمح بدخول الضوء إلى فضاء القبة، فتمنح المكان إضاءة هادئة تتناسب مع طبيعته الجنائزية والروحانية.

▪️ مقبرة الشيخ معروف، ذاكرة أوسع من مرقد واحد
لا يمكن الحديث عن زمرد خاتون بمعزل عن مقبرة الشيخ معروف الكرخي التي تحتضن هذا المرقد، والتي كانت معروفة باسم مقبرة الشونيزيه.
هذه المقبرة من المواقع التاريخية المهمة في الكرخ، وتضم إلى جانب مرقد الشيخ معروف الكرخي عدداً من القبور والمراقد المرتبطة بعلماء وشخصيات بغدادية من عصور مختلفة.
وتشير المصادر إلى وجود مراقد لشخصيات علمية وأسر بغدادية، إضافة إلى قبور تعود إلى عصور لاحقة، الأمر الذي يجعل المقبرة أشبه بسجل مفتوح لتاريخ بغداد الاجتماعي والديني والعلمي.
أما داخل تربة زمرد خاتون نفسها، فتشير دراسة تاريخية إلى وجود خمسة قبور إضافة إلى قبر زمرد خاتون، ومن الأسماء المرتبطة بالتربة السيدة بنفشا، التي توفيت قبل زمرد خاتون بنحو عام، وكذلك حفيد زمرد خاتون أبو الحسن علي بن الناصر لدين الله الذي دُفن فيها بعد وفاتها بسنوات.
وهذا يجعل المكان أكثر من مجرد ضريح منفرد فهو مساحة دفن ارتبطت بالعائلة العباسية وشخصيات من مراحل مختلفة من تاريخ بغداد.

▪️ لماذا أصبحت المقبرة مهددة؟
الخطر الذي أثار أكبر موجة من القلق في السنوات الأخيرة لم يكن نابعاً من القبر نفسه، وإنما من مشاريع الطرق والجسور القريبة من مقبرة الشيخ معروف.
ففي عام 2024 أثارت أعمال إنشاء مجسر قريب من المقبرة مخاوف كبيرة، بعدما كان المشروع يتضمن إنشاء طريق داخل المقبرة، الأمر الذي كان سيؤدي إلى إزالة عدد من القبور. وبعد اعتراضات الأهالي، جرى تعديل المشروع باتجاه إنشاء مجسر يقلل عدد القبور التي ستتأثر، مع تقليل عدد الأعمدة من خلال الاعتماد على فضاءات أطول.
لكن المشكلة لم تتوقف عند القبور إذ إن أعمال الحفر القريبة من القبة أثارت مخاوف على سلامة البناء الأثري نفسه، بعدما أُشير إلى ظهور تصدعات وتساقط أجزاء من الجدران.
وفي حزيران/يونيو 2026م، ظهرت تحذيرات جديدة من خطر المياه والحفريات القريبة من القبة، مع حديث عن ضخ كميات من المياه على مسافة قريبة من بدن المرقد، ما أعاد المخاوف بشأن استقرار البناء الأثري.
لذلك، من الأدق صحفياً القول إن مرقد زمرد خاتون تعرض لتهديدات مرتبطة بمشاريع البنية التحتية والحفريات، وما زالت سلامته موضع قلق بسبب الأعمال المحيطة به، بدلاً من القول إنه صدر قرار حديث بإزالة المرقد نفسه.

▪️ ليست أول مرة يواجه فيها الأثر الخطر
مرقد زمرد خاتون نجا في قرون طويلة سالفة من التغيرات التي مرت بها بغداد، لكنه اليوم يواجه نوعاً مختلفاً من التحدي، كيف يمكن لمدينة حديثة أن تتوسع من دون أن تدفع آثارها القديمة ثمن هذا التوسع؟
القضية لا تتعلق بقبة واحدة فقط، فالعراق كان يضم عدداً أكبر بكثير من القباب المخروطية التاريخية، ولم يبقَ منها إلا القليل. وتشير دراسة صحفية متخصصة إلى أن العراق كان يضم سابقاً ما لا يقل عن 17 قبة مخروطية في محافظات مختلفة، بينما اختفى معظمها لأسباب متعددة.
▪️ تراث لا يخص الماضي وحده
قد تبدو زمرد خاتون اليوم مجرد قبة قديمة وسط مقبرة، لكن النظر إليها من زاوية أوسع يكشف أنها وثيقة معمارية حية.
فالطابوق الذي بنيت منه، والزخارف الهندسية، والمقرنصات، وطريقة الانتقال من الشكل المثمن إلى القبة المخروطية، كلها تقدم صورة عن مستوى الهندسة والبناء في بغداد قبل أكثر من ثمانية قرون.
ولهذا فإن الحفاظ عليها لا يعني الحفاظ على قبر فحسب، بل الحفاظ على صفحة من تاريخ العمارة العراقية.
