الذاكرة والتعرّي والكلمة لدى بيدرو أنريكيث

حوار أجراه محمد الأمين مع الشاعر الإسباني بيدرو أنريكيث

بيدرو إنريكيث شاعر وكاتب ومحرر إسباني ولد في مدينة غرناطة عام 1956م ويُعد من أبرز وجوه المشهد الثقافي المعاصر في إسبانيا وقد شغل مقعد الحرف زد كأكاديمي في أكاديمية الفنون الجميلة بغرناطة منذ عام 2004م وتتميز مسيرته الأدبية بغزارة الإنتاج والتنوع حيث نشر عشرات المؤلفات التي تتنوع بين الشعر والنثر والقصة القصيرة وتُرجمت قصائده إلى العديد من لغات العالم كالفرنسية والعربية والإنجليزية والإيطالية واليابانية ونُشرت أعماله في مختلف الأنطولوجيات الدولية.

 

إلى جانب كتاباته يُعرف إنريكيث بنشاطه الثقافي الواسع فهو مؤسس ومنظم للعديد من الفعاليات والمهرجانات الشعرية الكبرى في إسبانيا مثل شعر في الغابة وشعر بلا حدود كما عُرف بإدارته لورش عمل شعرية تطوعية داخل المؤسسات الإصلاحية بهدف دمج النزلاء عبر الأدب وتوجت جهوده الأدبية والثقافية بحصوله على العديد من الجوائز المحلية والدولية البارزة ونيله درجات فخرية رفيعة نظير إسهاماته الإنسانية والفنية في تقريب الثقافات العالمية.

______________________________________

▪️ ما الذكريات التي تحتفظ بها من طفولتك أو من عائلتك، والتي تعتبرها جذور موهبتك الشعرية؟

_ ترتبط ذكرياتي الشعرية الأولى ارتباطاً وثيقاً بوالدي، حيث كان يعمل حارساً في قصر الحمراء، وقد أورثني شغفاً بالحروف والكلمات من خلال عملين أساسيين: حكايات الحمراء لواشنطن إيرفنغ، والدراسة التي كتبتها ماريا خيسوس روبييرا عن ابن الجياب، الشاعر النصري. لقد نشأت وصوت الحمراء الخافت يرافقني كخلفية، وهذان الكتابان بين يدي، ففهمت أن الأدب ليس مجرد تسلية أو هواية، وإنما هو طريق حياة.

 

▪️ كيف تُعرِّف الشعر في حياتك؟

_ بالنسبة إليّ، الشعر ليس حيلة جمالية ولا زينة بلا جدوى. الشعر هو فعل من أفعال التعرّي، كما كان خوان رامون خمينث يشعر بذلك. إنه بحث دائم عن الجوهر، ولغة مجرّدة من الزوائد، تحاول أن تسمّي حقيقة الروح، بعيداً عن أزياء الحياة اليومية ومسرحياتها وديكوراتها.

 

▪️ عندما تبدو الكلمات عاجزة أو تفشل في التعبير، أين تجد ملاذك؟

_ في التأمل والذاكرة. عندما تستنفد اللغة قدرتها، ألجأ إلى صمت الأمكنة التي تسكنها الذاكرة والتاريخ، وإلى تأمل الطبيعة والروابط الإنسانية. كما أجد ملاذاً في إعادة قراءة الكبار من الشعراء، مثل لوركا، وميغيل إيرنانديث، وليون فيليبي؛ أولئك الذين يحتفظون دائماً بنور ما، نلجأ إليه عندما يخبو نورنا الخاص ونحتاج إلى التوقف قليلاً.

 

▪️ لو استطعت أن تشرب فنجان قهوة مع أي شخصية من التاريخ أو الأدب، فمن ستختار؟

_ سأجلس إلى مائدة أولئك الشعراء الذين استطاعوا أن ينظروا مباشرة إلى الموت والألم الإنساني، من دون أن يفقدوا الرشاقة أو الكرامة. سأتحدث مع كيبيدوQuevedo، لما يتميز به من ذكاء حاد وعمق ممزوج بميلان حزين، وكذلك مع لوبي دي فيغا Vega، أو دون أدنى شك، مع لوركا نفسه، لأفهم من أين كان ينبع ذلك النبع الذي لا ينضب من الموسيقى والكلمة.

 

▪️ ما القصيدة التي تشعر بأنها تعبّر عنك أو تختزل فلسفتك في الحياة؟

_ هناك قصيدة لي بعنوان مهزلة (Farsa)، كانت صديقة عزيزة، وهي عازفة بيانو، تطلب مني أن ألقيها كثيراً، وقد ألهمت المغنية سارا ساي لتسجيل فيديو عنها. وهي أبيات أشعر بأنها تمثلني بعمق:

أمس، اليوم وغداً دخان،

هو، أنا وأنت، لا شيء.

أبحث عن نفسي، أجدني ثم أهرب مني،

أنزلق، أبحر، وفي النهاية شلال.

يومي، ثوبي، مجرد مهزلة،

ليلي، بيجامتي، وأخيراً التعرّي.

أضحك، أبكي، أنتقد الأمس،

وعلى كرسيّي المعلّق الذي تنتظر قناع الغد.

إن نصوصاً كهذه ـ مثل نص آخر من قصائدي الأولى أختمه بعبارة «السيانيد هو القصيدة» ـ تذكّرني بأن الوجود محاولة مستمرة للتخلّص من القناع، والوصول إلى أن نصبح نوراً للآخرين، حتى وإن كنا نعرف أن الطريق ليس سهلاً. لا تزال تلك الأبيات الأولى تحرك مشاعري، لأنها تعيدني إلى أكثر حقائقي صدقاً.

 

▪️ ما الكتاب أو القراءة التي غيّرت حياتك أو جعلتك كاتباً بشكل نهائي؟

_ إلى جانب كتب الحمراء التي أهداني إياها والدي، كان النص الذي فتح حساسيتي الطفولية هو بلاتيرو وأنا لخوان رامون خيمينيث. وفيما بعد، ومع دخولي مرحلة النضج، ظهرت بصورة حاسمة أصوات فيديريكو غارسيا لوركا، وميغيل إيرنانديث، وليون فيليبي، الذين أسهموا في النهاية في تشكيل هويتي والتزامي الشعري.

 

▪️ ماذا كنت ستقول للشاب الذي كنته عندما بدأ يكتب أبياته الأولى؟

_ كنت سأقول له ألّا يفقد قدرته على الدهشة أمام المسارين اللذين بدأ من خلالهما الكتابة. من جهة، هناك ذلك البعد الحميمي، الذي تغذّيه القراءات والمخطوطات اليدوية التي ما زلت أحتفظ بها باعتبارها قطعاً فريدة. ومن جهة أخرى، ذلك الجانب الاجتماعي البريء، حيث تمثل الأبيات الشعرية جسراً للتعبير عن الحب:

ما هذا الذي أشعر به حين أراك؟

ما الذي فيك يغويني،

وما الشعور الذي يقودني

إلى الخوف من فقدانك قبل أن أعرفك؟

لكن، قبل كل شيء، كنت سأقول له أن يُبقي عينيه مفتوحتين جيداً على الشارع. لقد تميزت تلك السنوات الأولى بمراقبة آلام الآخرين: مدمن المخدرات، والعاهرة، والمسن، وتلك الحيوات المعلّقة على هامش المجتمع. كل تلك الوجوه المهمّشة والمستبعدة نبتت في داخلي بعد سنوات، لتظهر في كتابي حكايات رملية Historias de arena. كنت سأقول له أن يواصل الإصغاء إلى تلك الأصوات، لأن الشاعر الذي كان سيصبحه كان قد بدأ يولد فيها منذ ذلك الحين.

 

▪️ لو كان بإمكانك أن تترك يقيناً واحداً أو رسالة واحدة لقراء المستقبل، فما الذي ستقوله؟

_ في مواجهة أولئك الذين يرون أن الأدب ترف لا فائدة منه، أؤكد بيقين مطلق أن الشعر يشفي وينقذ. لقد اختبرت ذلك وجهاً لوجه في ورشات الشعر التي أقدّمها للسجناء في سجن ألبولوتي: الشعر يسند الحياة عندما نفتقد ما نتشبث به، وعندما تشتد العاصفة، أو عندما يهدد الحزن بإغراق سفينة الوجود. في تلك اللحظات القصوى، تمنحنا قراءة قصيدة أو كتابتها نقطة ارتكاز صلبة تساعدنا على الوقوف ومواصلة الطريق. أتمنى أن يلجأ قارئ المستقبل إلى الشعر كما يلجأ إلى صديقة وفية، وإلى ملاذ للراحة، وإلى نقطة لقاء تذكّرنا بأن العالم والبشر قادرون على أن يكونوا أفضل مما هم عليه.

 

▪️ هل تؤمن باليانصيب وبضربة الحظ، سواء في الشهرة الأدبية أم في تذاكر اليانصيب؟

_ أنطلق من قناعة واضحة: الحظ موجود. في الحياة اليومية، شاهدت كيف يمكن لحظ مفاجئ أن يغيّر واقع الناس بطريقة تكاد تشبه معجزة. أتذكر زوجين من أصدقائي؛ كان الزوج يعمل في الزراعة، وتعرض لحادث جعله عاجزاً عن الحركة. كانا يعيشان في منزل مكتظ بالعوائق، وكان مجرد إجلاسه على كرسي يمثل معاناة مؤلمة للغاية. فازا باليانصيب، وتمكنا من بناء منزل مريح ومهيأ لاحتياجاته. تلك الضربة من الحظ التي تخفف من أعباء الحياة أمر لا يمكن إنكاره. أما في الأدب، فإن الحظ يعمل بطريقة تشبه “عجلة الحظ” التي حدثني عنها ذات مرة كاتب معروف وصديق لي.

فإذا تمكنت من الدخول إلى تلك العجلة، فلا يهم كثيراً ما تفعله؛ سيتم استدعاؤك، ونشر أعمالك، ورفع شأنك، وتسليط الأضواء عليك. أما إذا بقيت خارجها، فمهما كانت جودة عملك، فمن الصعب أن تصل إلى الواجهات الكبرى. مع ذلك، وبعيداً عن ذلك الحظ الإعلامي، فإن اليقين الحقيقي لدى الكاتب يكمن في أن يجلس كل يوم ويعمل. الفن يحتاج إلى الحرفة، والمثابرة، والحدس، والإبداع. قد يفتح الحظ الأبواب، لكن التفاني وصدق الكلمات وحدهما هما القادران على جعل العمل خالداً.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.