قصيدتان عن السيد كوغيتو || الشاعر البولندي زبيغنيف هربرت

ترجمة عن البولندية : هاتف الجنابي _ شاعر ومترجم عراقي

▪️ السيد كوغيتو عن الوقفة المُنتصبة
1
في أوتيكا
لا يرْغبُ المواطنون
في الدفاعِ عن أنفسِهم

في المدينةِ انْدَلعتْ
جائحةُ غريزةِ البقاء

مَعْبدُ الحريّةِ تمّ تحويلُهُ
إلى سوقٍ للمتاعِ الرخيص

وأعْضاءُ مجلسِ الشيوخ
يتباحثون في كيف ألّا يكونوا مَجْلسًا

والمواطنون لا يرغبون
في الدفاع عن أنفسهم،
هم يَحضرون دوراتٍ سريعة
في فنّ الخنوع على الركبتين

ينتظرون العدوَّ بدون مقاومة
يُدَبّجون خطبَ الولاء
ويكنزون الذهبْ.

يَخيطون راياتٍ جديدة
بيضاءَ، بريئة،
ويُعلّمون أطفالهمُ الكذبْ.

فتحوا البواباتِ
التي يدخل الآن منها عمودٌ من الرمل.

وما عدا ذلك فالأمورُ على حالِها،
تجارةٌ وتناسل.

2
السيد كوغيتو
يريد الوقوفَ
بمستوى الحدث

أيْ أنْ
يُواجهَ المصيرَ
بعينين ثابتينِ

كما فعل كاتو الأصغر
راجعوا السيرَ الذاتية

غَيْرَ أنّه لا يملك
سيفًا
ولا فرصةً
ليُرسلَ أهلَه وراء البحر

عليهِ أن ينتظر
مثل سائر الناس
ويَمشي في غرفةٍ أرْهَقَها الأرق.

وهو على خلاف ما أوْصَى الرواقيّون به
يتمنى جسدًا من الألماسِ
والأجنحة.

ينظرُ من النافذة
إلى شمس الجمهوريةِ
كيف تَهْوي نحو الغروب.

لم يَبْقَ له الكثير
في الحقيقة لم يَبقَ إلا
أن يَختارَ الهيئةَ
التي سيموتُ فيها
والإيماءةَ،
والكلمةَ الأخيرة.

ولهذا لا يَؤوبُ
إلى فراشهِ
تجنّبًا
للاختناق في نومه.

يُريد حتى النهايةِ
الوقوفَ بمستوى الحدث.

المصيرُ يُحدّقُ في عينيه
في الموضع الذي كان فيهِ
رأسُه.

▪️ رسالةُ السيد كوغيتو

امْضِ حيث مَضى أولئك حتى النهاية الغامضة
من أجلِ جِزّةِ العدمِ الذهبيةِ- جائزتك الأخيرة

امْضِ مُنْتصبًا وَسْطَ مَنْ يركعون
بين مَنْ يُوَلّون أدبارَهم مُعَفّرينَ بالرماد

لقد نجوْتَ ليس من أجل أنْ تعيش
ليس لديك وقتٌ كثيرٌ ولابدّ أنْ تُقدّمَ الشهادة

كنْ شجاعًا عندما يَخيبُ العقلُ كنْ شجاعًا
لأنّ هذا هو الشيءُ الوحيدُ الذي سيُحْسبُ في النهاية

أمَا غضبك العاجزُ فلْيَكُنْ كالبحرِ
كلّما سَمِعْتَ صوتَ المُذَلّينَ والمَسحوقين

لا تَدَعْ أخاكَ – الازدراءَ يهجرك
ازدراءَ الجواسيسِ الجلادين الجبناء- لأنهم سيفوزون

سيمشون في جنازتك، ويُهيلون بارْتياحٍ حَفْنةَ التراب
والخنفساءُ ستكتبُ سيرتَك المُرَتّبة.

لا تَغفِرْ لأنه ليس في وِسْعِكَ حقا
أنْ تغفرَ باسْمِ أولئك الذين خانوهم في الغبشِ.

احتَرسْ مع هذا من الكبرياءِ الزائدة
تَطَلّعْ إلى وجهكَ المُهرّجِ في المرآة
وكَرّرْ: جرَى استدعائي- ألمْ يكنْ هناك مَنْ هو أفضل
حذارِ من جفافِ القلبِ، أَحِبَّ نبعَ الغبشِ،
والطائرَ مجهولَ الاسمِ، سنديانَ الشتاءِ،
الضوءَ على الجدار، وبهاءَ السماءِ،
فهم لا يحتاجون إلى نفَسِكَ الدافئ
هم منْ أجل أنْ يقولوا: لا أحدٌ يُواسيك.

كُنْ يقظًا، عندما يُومئ الضوءُ في الأعالي، قُمْ واذْهَبْ
ما دامَ الدمُ في الصدر يُديرُ نجمَكَ المُعْتِم

كَرّرْ تعازيمَ البشرِ الأوّلينَ، الحكاياتِ والأساطيرَ
فبهذا ستفوزُ بالخير الذي لنْ تَكسِبَه
كَرّر الكلماتِ الكبيرةَ كرّرْها بإصْرارٍ
كما فعل الذينَ سلكوا الصحراءَ وفي الرمل ضاعوا.

سيُكافئونكَ على هذا بما تملك اليدُ
بِسَوْطِ ضِحْكةٍ، بقتلكَ في سلّةِ المهملاتِ.

امْضِ لأنكَ هكذا فقط ستُقْبَلُ في فئة الجماجمِ الباردة
في جماعةِ أسلافِك: ﮔلـﮔامشَ، هكتورَ، ورولاند
الذُوّادِ عن مملكةٍ لا حدودَ لها، عن مدينةِ الرماد
كُنْ مُخْلصًا، واصِلْ طريقَك.

_____________________________________________
هوامش :
* تقع أوتيك أو أوتيكا ببنزرت، شمال تونس، تأسّست أوتيك سنة 1101 قبل الميلاد من قبل الفينيقيين، وهي من أقدم مستعمراتهم. في شمال إفريقيا. وقد أسموها عتيقا بمعنى العتيقة، واليوم (مرباط سيدي بو شاتر) يحتل موقع آثار أوتيكا. كاتو- ماركوس بورسيوس كاتو (46-95 ق.م) – كان سياسيا بارزا في عهد الجمهورية الرومانية، ورائدا للفلسفة الرواقية. وكان مشهورا بخطابته.
* هكتور: أمير طروادة وابْنُ ملِكِها(بريام) وهو وَليُّ عهده، ورولاند (قُتل في سنة 778) وكان قائدا عسكريا في جيش شارلمان، وحاكمًا لمنطقة بريتوريا. ورد ذكره في الملحمة الشعرية الفرنسية “نشيد رولاند”، وﮔلـﮔامشَ هي الشخصية السومرية المعروفة التي ذكرها وتحدّث عنها هربرت مرارا(المترجم).

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.