ذكرى تغييب موسى الصدر الرجل الذي خرج من النجف إلى لبنان وبقي غيابه لغزاً مفتوحاً

كتبه : مصطفى شاكر _ العراق

 

في 31 آب/أغسطس 1978، انقطعت أخبار رجلٍ كان قد أصبح واحداً من أبرز الوجوه الدينية والاجتماعية والسياسية في لبنان والمنطقة السيد موسى الصدر ومنذ ذلك اليوم، تحولت قصته من سيرة رجل دين ومصلح اجتماعي إلى واحدة من أكثر قضايا الاختفاء غموضاً في التاريخ اللبناني الحديث.

واليوم، في 31 آب/أغسطس 2026، تحل الذكرى الـ48 لتغييب الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحفي عباس بدر الدين في ليبيا. ويؤكد مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات أن الزيارة بدأت في 25 آب 1978 بدعوة رسمية ليبية، وأن الصدر ورفيقيه لم يعودوا بعدها إلى لبنان.

▪️ من هو موسى الصدر؟

ولد موسى صدر الدين الصدر في مدينة قم الإيرانية عام 1928، لعائلة علمائية تعود جذورها إلى منطقة جبل عامل في جنوب لبنان. تلقى تعليمه الأولي والثانوي في قم، ثم واصل دراسته الدينية، قبل أن ينتقل إلى دراسة الحقوق والاقتصاد في جامعة طهران، جامعاً بين التعليم الأكاديمي والدراسة الحوزوية.

وكان للعراق حضور مهم في مسيرته؛ ففي منتصف خمسينيات القرن الماضي توجه إلى النجف لمواصلة دراسته الدينية، وبقي فيها حتى عام 1959. وهناك شارك في النشاط الثقافي والفكري، وكان عضواً في الهيئة الإدارية لـ«منتدى النشر» الذي اهتم بالندوات الثقافية ونشر محتواها.

▪️ من قم والنجف إلى صور

عام 1959 انتقل الصدر إلى لبنان، واستقر في مدينة صور، حيث بدأ مرحلة جديدة من حياته.

لم يكتفِ بالخطاب الديني التقليدي، بل اتجه إلى العمل الاجتماعي، وبدأ يقترب من الناس ومشكلاتهم اليومية، خصوصاً الفقر والحرمان وضعف الخدمات في مناطق الجنوب والبقاع.

ومع مرور الوقت، أصبح حضوره يتجاوز الإطار الديني إلى المجال الاجتماعي والوطني، وبدأ العمل على إنشاء مؤسسات تعليمية ومهنية وصحية ومراكز لمحو الأمية.

▪️ تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

كان الصدر يرى أن الطائفة الشيعية في لبنان تحتاج إلى مؤسسة تمثلها وتنظم شؤونها، خصوصاً في ظل النظام اللبناني القائم على التوازن بين الطوائف.

وبعد سنوات من المطالبة، أُنشئ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بقانون أقره البرلمان اللبناني، وانتُخب موسى الصدر رئيساً له عام 1969، ليصبح واحداً من أبرز المرجعيات الدينية والاجتماعية في لبنان.

لكن نشاطه لم يكن محصوراً بالدفاع عن حقوق طائفته فقد سعى إلى بناء علاقات مع مختلف المكونات اللبنانية، وشارك في مبادرات للحوار بين المسلمين والمسيحيين، مؤكداً أن معالجة الفقر والحرمان قضية وطنية وليست قضية طائفية فقط.

▪️ حركة المحرومين

مع اتساع مشكلات الفقر والتهميش، برز الصدر بوصفه صوتاً للمناطق والفئات التي شعر بأنها محرومة من حقوقها.

وفي عام 1974 قاد تحركات شعبية ضد إهمال المناطق الريفية، ثم ظهرت حركة المحرومين، التي رفعت شعاراً يدعو إلى استمرار النضال حتى لا يبقى محروم في لبنان.

وكان الصدر يربط بين الإيمان والعمل الاجتماعي، ويرى أن التدين لا ينفصل عن خدمة الإنسان ومواجهة الحرمان.

▪️ الصدر والحرب الأهلية

جاءت السنوات الأخيرة من حياته في مرحلة شديدة الاضطراب في لبنان، مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.

حاول الصدر القيام بأدوار سياسية ودينية للحد من الانقسام، واتخذ مواقف تدعو إلى الحفاظ على وحدة لبنان ورفض تقسيمه.

وفي تلك المرحلة ظهرت أفواج المقاومة اللبنانية «أمل»، التي ارتبط تأسيسها بالصدر وبالبيئة السياسية والاجتماعية التي نشأت حول حركة المحرومين.

▪️ الرحلة التي لم يعد منها

في 25 آب/أغسطس 1978، غادر موسى الصدر لبنان متوجهاً إلى ليبيا برفقة الشيخ محمد يعقوب والصحفي عباس بدر الدين، في زيارة كانت بدعوة من السلطات الليبية.

كان الهدف المعلن من الزيارة إجراء لقاءات مع المسؤولين الليبيين، وعلى رأسهم معمر القذافي.

لكن الأيام مرت من دون أن يعود الصدر ورفيقاه.

وفي 31 آب/أغسطس 1978، شوهد الصدر ورفيقاه للمرة الأخيرة في ليبيا، ثم انقطعت أخبارهم بصورة نهائية.

▪️ رواية السفر إلى إيطاليا

بعد اختفائهم، قدمت السلطات الليبية رواية تقول إن الصدر ورفيقيه غادروا ليبيا متوجهين إلى إيطاليا على متن رحلة جوية في 31 آب.

لكن التحقيقات الإيطالية نفت دخولهم الأراضي الإيطالية، كما تشير وثائق قضية الاختفاء إلى أن الركاب وأفراد طاقم الطائرة لم يشاهدوا الصدر أو شخصاً بملابسه الدينية على متن الرحلة.

ولهذا بقيت الرواية الليبية موضع نزاع، بينما استمرت التحقيقات والمطالبات بكشف مصير الصدر ورفيقيه.

▪️ هل كُشف مصيره؟

حتى اليوم لا توجد نتيجة قضائية نهائية معلنة تحسم مصير موسى الصدر بصورة قاطعة.

وفي عام 2025 أعادت شبكة BBC فتح الملف من زاوية جديدة، بعد ظهور صورة لجثة عُثر عليها في مشرحة سرية في ليبيا عام 2011، وقيل إنها قد تكون للصّدر. وأجرت الشبكة تحليلاً للصور، لكن هذه النتائج لم تشكل دليلاً نهائياً على هوية الجثة، ولذلك بقي مصير الصدر غير محسوم.

وهنا تكمن حساسية القضية فبينما توجد روايات وقرائن وتحقيقات متعددة، لا يزال السؤال الأساسي بلا جواب نهائي: ماذا حدث لموسى الصدر ورفيقيه بعد آخر ظهور لهم في ليبيا؟

▪️ رجل بقي حاضراً رغم الغياب

بعد 48 عاماً، لم يعد موسى الصدر حاضراً بوصفه رجل دين وسياسياً فقط، بل أصبح غيابه نفسه جزءاً من الذاكرة السياسية والاجتماعية اللبنانية.

ترك خلفه مؤسسات وحركة سياسية وإرثاً من الخطاب الاجتماعي، لكن الأهم أنه ترك قضية لم تُغلق بعد.

لقد بدأت قصته في قم، ومرّت بالنجف، ثم انتقلت إلى جنوب لبنان، حيث تحولت دعوته من المنبر إلى المدارس والمؤسسات والعمل الاجتماعي والحراك السياسي.

أما نهايتها، فما زالت معلقة في مكان ما بين طرابلس عام 1978 والذاكرة التي لم تتوقف عن البحث عنه.

في ذكرى تغييب موسى الصدر، لا تستعاد سيرة رجل غاب فقط، بل تستعاد قضية ما زال السؤال فيها مفتوحاً: أين اختفى موسى الصدر؟

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.