لا أريد أن أصير رجلا حين أكتب .. ولا امرأة حين يقرؤونني
مقال : فاطمة الزهراء أمزكار _ روائية مغربية
“المرأة تصير رجلا عند الكتابة، المرأة لا تدخل الكتابة إلا بعد أن تسلم على الباب أنوثتها قربانا لهذا الولي الصالح، وتتلقى عوض ذلك الذكوة، لأنها لا يمكن أن تكون جنسا محايدا. إنها تلج فعل الكتابة مشحونة بالذكر، أنثى مقلوبة.”
– عبد المجيد جحفة، سطوة النهار وسحر الليل، ص 46.
هناك نصوص كثيرة قرأتها ومضيت، ثم اكتشفت، بعد سنوات، أنها لم تمض مني. هذا المقطع واحد منها. قرأته سنة 2017، في بدايات كتابتي على فايسبوك. نسيت عنوان الكتاب، لكنني لم أنس الفكرة قط. بقيت في مكان ما من ذاكرتي، كوشم لم يبهت، ربما لأنها جاءت في لحظة كنت أكتشف فيها الكتابة في العلن، أو لأنها فتحت أمامي فجوة ظل سؤالها يتسع منذ ذلك الحين: من يملك حق الكتابة؟ وحق الكلام، وأن يكون صوتا لا مجرد موضوع للصوت؟
لا أقرأ عبارة الدكتور جحفة باعتبارها حكما على المرأة الكاتبة، بقدر ما أراها ترصد، بذكاء واستفزاز، تاريخا طويلا من العلاقة الملتبسة بين المرأة وفعل القول.
فالكتابة، تاريخيا، لم تكن فعلا لغويا فقط. كانت، ولا تزال، مرتبطة بالمعرفة والسلطة والقدرة على تسمية الأمور. وهذه مجالات ظلت -حتى اليوم- محكومة بترتيبات اجتماعية جعلت الرجل صاحب الصوت، والمرأة موضوعا لذلك الصوت.
وحين تدخل المرأة هذا الفضاء، تدخله محملة بكل الأسئلة التي سبق للمجتمع أن وضعها حول جنسها، وجسدها، وأخلاقها، وموقعها، وحدود ما يجوز لها أن تقول. وبالتالي لا تدخله دائما بوصفها ذاتا محايدة.
لهذا تبدو صورة «الأنثى التي تُسلم قربانا عند الباب» شديدة الدلالة : كأن المرأة مطالبة، لكي يُعترف بقدرتها على القول، بأن تتخلى رمزيا عن الجزء الذي يجعلها امرأة، وأن تستعير سلطة الذكورة كي يصبح صوتها قابلا للتلقي.
لكن ماذا يعني أن تتخلى المرأة عن أنوثتها كي تكتب؟
ربما يعني، في أحد وجوهه، أن الرجل يستطيع أن يكون إنسانا حين يكتب، بينما لا يُسمح للمرأة بسهولة بأن تتجاوز جنسها. الرجل يكتب. أما المرأة فهي: امرأة تكتب.
قد يبدو الفرق بسيطا، لكنه ليس كذلك.
حين يكتب الرجل عن الجنس، أو الجسد، أو الخيانة، أو الرغبة، لا يتحول النص بالضرورة إلى وثيقة عن حياته الخاصة. يستطيع القارئ أن يترك مسافة بين الكاتب وما يكتبه، وأن يفترض أن الشخصية شخصية، وأن السارد سارد، وأن الخيال خيال.
أما المرأة، وخصوصا حين تكسر الطابو في كتابتها، فقد تجد نفسها أمام قارئ لا يريد أن يكتفي بالسؤال: ماذا قالت؟ لكنه يفتح وراء السؤال أسئلة أخرى: من أين جاءت بهذا؟ هل عاشته؟ وهنا تنتقل الكاتبة، في لحظة، من موقع كاتبة النص إلى موقع المتهمة التي عليها أن تثبت أن النص ليس اعترافا. وهذا، بالنسبة إلي، هو الوجه الآخر لعبارة الدكتور جحفة التي وجدت نفسي أعيشها بصورة تكاد تكون حرفية.
فبعد أن كانت الكتابة بالنسبة إلي فعلا للخروج من الذات، جعلني بعض التلقي أفكر في العكس: كأن كل ما أكتبه لا بد أن ينطلق مني، وكل شخصية أخلقها تحمل شيئا من حياتي، وكل جملة جريئة ليست سوى اعتراف مقنع. وهكذا يسلبونني أعظم الحريات التي منحها لي الأدب؛ القدرة على مغادرة الذات وأن أصير أي شخص أريده لأن حياة واحدة لا تكفيني، أن أجرب احتمالات لا تسمح لي حياتي الواقعية بتجريبها، أستطيع أن أكون رجلا وأنا امرأة، وعجوزا وأنا في الثلاثين، وقاتلة دون أن أقتل، وخائنة دون أن أخون. أستطيع أن أكتب ما أرفضه، وأن أمنح صوتا لمن أختلف معه، وأن أدخل رأس شخصية أكرهها وأحاول أن أفهم كيف تفكر. وهذا ليس خداعا للذات. هذه هي الكتابة. ومصادرة المسافة بين الكاتب وشخصياته تجعلنا نصادر جوهر التخييل نفسه.
ولعل الأدب المغربي يمنحنا مثالا جميلا على هذه القدرة على مغادرة الموقع الجندري للكاتب. أفكر هنا في فاتحة مرشيد وروايتها الملهمات، حيث استطاعت أن تتقمص صوتا ذكوريا، وأن تدخل إلى وعي رجل وتمنحه مساحة للكلام من الداخل، حتى كدت إن أن أقول أن الكاتبة كانت رجلا يوما ما… وهنا يحق لنا أن نسأل سؤالا موازيا: إذا كانت الكاتبة تستطيع أن تكتب رجلا، فلماذا حين يكتب الرجل امرأة نفترض، أحيانا، أن صوته لا بد أن يظل ذكوريا؟
هل يصبح الرجل، بمجرد أن يكتب امرأة، عاجزا عن مغادرة موقعه الجندري؟ وهل تصبح المرأة، بمجرد أن تكتب رجلا، قد غادرت أنوثتها وصارت تكتب «كالرجل»؟
لا أظن أن المسألة بهذه البساطة.
فالكاتب لا يكتب دائما انطلاقا من جنسه، وإن كان جنسه، وتجربته، وموقعه الاجتماعي، وعلاقته بالسلطة، كلها عناصر قد تؤثر في زاوية نظره. لكنه، في لحظة التخييل، يستطيع أن يعبر إلى وعي آخر، وأن يمنح شخصية لا تشبهه جسدا أو تجربة أو موقعا صوتا مستقلا عنه.
قد يكتب رجل امرأة فيعيد إنتاج الصورة النمطية عنها، وقد يكتبها فيمنحها وعيا ومقاومة وتعقيدا لا تسمح به الصور الجاهزة. وقد تكتب امرأة امرأة أخرى، فتكرس عنها كل الصور التي ورثها المجتمع، وقد تكتبها فتفكك تلك الصور. لذلك لا أرى أن جنس الكاتب وحده يكفي للحكم على طبيعة الكتابة.
ومن هنا أجد نفسي أمام تمييز أراه ضروريا، خصوصا في الحديث عن الأدب الذي تكتبه النساء: الفرق بين الكتابة النسائية والكتابة النسوية.
الكتابة النسائية، في أبسط تعريفاتها، هي الكتابة التي تنتجها امرأة. إنها صفة تتصل بهوية الكاتبة، ولا تحمل، بالضرورة، موقفا فكريا محددا من قضايا المرأة.
أما الكتابة النسوية، فهي كتابة تقوم على وعي نقدي بعلاقات القوة والهيمنة، وبالموقع الذي احتلته المرأة داخل المجتمع، وبالصور النمطية التي صيغت عنها، وبحقها في امتلاك صوتها وجسدها وتجربتها وتمثيل نفسها. ولهذا ليست كل كتابة امرأة كتابة نسوية، كما أن كل كتابة رجل عن المرأة ليست بالضرورة كتابة معادية للنساء. قد تكتب امرأة عن الخضوع دون أن تسائل شروطه، وقد يكتب رجل عن امرأة فيمنحها من الاستقلال والتعقيد والوعي ما يجعل النص نفسه مساءلة للصورة التقليدية عنها.
لكن الأمر لا ينتهي هنا.
فثمة سؤال آخر أكثر تعقيدا: من يملك حق تمثيل الآخر؟ وهذا السؤال يختلف عن سؤال: من يملك حق الكتابة؟
فالمرأة لا تحتاج إلى أن تكون رجلا كي تكتب رجلا، والرجل لا يحتاج إلى أن يصبح امرأة كي يكتب امرأة. وتخيل الآخر لا يعني امتلاكه. فالكاتب يدخل إلى شخصية ليست هو، محملا بتجربته وموقعه وتاريخه، وقد ينجح في تجاوز بعض حدوده، لكنه لا يصبح الآخر بصورة كاملة. ولهذا لا أرى أن الأدب مطالب بأن يمحو الفوارق بين التجارب، بقدر ما هو مطالب بأن يمنحها إمكان اللقاء.
ربما لهذا لا أحب كثيرا السؤال الذي يسبق النص أحيانا: هل هذه كتابة رجل أم كتابة امرأة؟
أفضل أن أسأل: من الذي يتكلم؟ ثم: كيف يتكلم؟ ولماذا؟ وما الذي يفعله هذا الصوت داخل النص؟
فالجنس حاضر في الكتابة، لكنه ليس سجنا لها. إنه أحد المواقع التي يأتي منها الكاتب إلى النص، لا الحدود التي يجب أن يبقى داخلها. وهنا، ربما، يصبح معنى «الأنثى المقلوبة» أكثر التباسا مما يبدو لأول وهلة. فإذا كانت المرأة، كما يقول الدكتور جحفة، مطالبة بأن تستعير الذكورة لكي تدخل الكتابة، فهل المطلوب من الرجل حين يكتب المرأة أن يستعير أنوثتها؟ أم أن المطلوب من الاثنين شيء آخر تماما: أن يصيرا كاتبين، وكفى…
وهذا هو الفارق، بالنسبة إلي، بين أن أكتب كامرأة، وأن أكتب عن المرأة، وأن أكتب من موقع نسوي. قد تتقاطع هذه المستويات، لكنها ليست شيئا واحدا.
فالكتابة النسائية تتصل بمن يكتب، والكتابة النسوية تتصل بما يفعله النص بهذا الموقع: هل يعيد إنتاج علاقات القوة، أم يكشفها؟ هل يكرر الصورة، أم يفككها؟ هل يجعل المرأة موضوعا، أم يمنحها حق أن تكون ذاتا تتكلم؟
ومع ذلك، يبقى الأدب أوسع من كل هذه التصنيفات.
لأن أجمل ما يفعله الأدب، في النهاية، أن يجعلنا ننسى، ولو مؤقتا، جنس من كتب النص، كي نتورط في جنس آخر من الأسئلة… عند هذه النقطة فقط أعود إلى السؤال الذي يشغلني منذ قرأت عبارة الدكتور جحفة: ربما لا تكون مشكلة المرأة في الكتابة أنها مطالبة بأن تصير رجلا، وإنما أن المجتمع، حتى بعد أن يسمح لها بالدخول، يظل يريد أن يعرف أي امرأة هي قبل أن يسأل: أي كاتبة هي؟
ولعل هذا السؤال هو الذي قادني، وأنا أقرأ، إلى سؤال آخر عن أزمة الكاتبات.
حين شرعت في قراءة الأدب المغربي في فترة مراهقتي، لفتني حضور ثيمات تتكرر فيه: الجنس، والنساء، والحانات، والاشتراكية، والاستعمار، وغيرها من الموضوعات التي شكلت جزءا من التجربة الأدبية المغربية الحديثة. بدأت أتساءل آنذاك: هل يعاني الكاتب من أزمة إيجاد ما يقوله؟ ثم، حين قرأت أدب المعارضين وأدب السجون في فترة دراستي الجامعية، انتقل السؤال إلى مستوى آخر: هل أزمة الكاتب أن يعرف كيف يقول دون أن يُسجن؟ أما اليوم، وفي زمن الإنترنت وسهولة النشر واتساع دوائر الوصول، فقد أضيف إلى ذهني سؤال أكثر قلقا: لمن يقول الكاتب؟ وبالنسبة إلى الكاتبة، ثمة سؤال مختلف تماما: كيف سيقرأونني لو قلت هذا؟ لأنها تعرف أن ما تقوله قد يُقرأ خارج السياق الذي صنعته من أجله.
لم تعد الكاتبة تكتب أمام قارئ واحد، ولا أمام جماعة متجانسة تتقاسم معها المرجعيات نفسها. النص، لحظة نشره، يغادر صاحبته ويدخل عوالم لا تعرفها؛ يقع في أيدي قراء مختلفين في تجاربهم وذاكراتهم ومعتقداتهم وحساسياتهم، وفي قدرتهم أيضا على التمييز بين صوت الكاتبة وصوت الشخصية. قد أكتب شخصية شريرة، فيُفترض أنني أتبنى شرها. قد أمنح شخصية منحرفة أو شهوانية أو متطرفة صوتا، فيلتصق صوتها باسمي. وهكذا تصبح الكاتبة مضطرة إلى الكتابة وفي رأسها جمهور كامل من الاحتمالات: قارئ سيفهم، وآخر سيسيء الفهم، وثالث سيختلف، ورابع سيقتطع، وخامس سيحاكم، وسادس ربما لم يقرأ النص أصلا، وإنما قرأ العنوان فقط.
وهذه إحدى مفارقات النشر الحديث: لقد جعلت التكنولوجيا النص أكثر حرية في الوصول، لكنها جعلته، في الوقت نفسه، أكثر عرضة للوصول إلى قراء لم يخترهم صاحبه، وإلى سياقات لم يتوقعها، وإلى اقتباسات مبتورة قد تمنحه معنى لم يقصده.
لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدا حين تكون الكاتبة امرأة، وحين تكون كتابتها جريئة، وحين تأتي من مجتمع محافظ تحكمه تصورات صارمة حول ما يجوز للمرأة أن تقوله. في هذه الحالة، لا يعود النص وحده موضع القراءة. تصبح الكاتبة نفسها جزءا من النص. فالمجتمع الذي يضع حدودا لما يجوز للمرأة أن تقوله، قد يجد صعوبة أكبر في تقبل امرأة تكتب عن الأشياء التي يريد لها أن تظل صامتة عنها: الجسد، والرغبة، والجنس، والخيانة، والعنف، والسلطة، والخوف، والاختيارات الشخصية. والمفارقة أن الموضوع الواحد قد يكون أدبيا حين يكتبه رجل، ثم يتحول إلى سؤال أخلاقي حين تكتبه امرأة. لا يعود السؤال: هل نجحت في بناء الشخصية؟ بل: كيف تجرأت؟
وهنا يتدخل المتلقي، أحيانا من دون وعي، بوصفه امتدادا لرقابة اجتماعية أوسع. لا أقصد أن كل قارئ يفعل ذلك عن قصد، ولا أن الاختلاف أو سوء الفهم جريمة. القارئ يملك حقه في أن يقرأ النص من مرجعيته، وأن يختلف معه، وأن يرفضه، وحتى أن يسيء فهمه. فالنص، بعد نشره، يدخل حياة لا يملك الكاتب السيطرة عليها. لكن ثمة فرقا جوهريا بين: اختلاف القارئ مع النص ومحاكمة الكاتبة من خلال النص. في الحالة الأولى، يبقى الأدب حيا. أما في الثانية، فيتحول النص إلى محضر تحقيق. يسأل عن أخلاق الكاتبة قبل أن يسأل عن بنية العمل.
وهذا، في رأيي، من أخطر ما يمكن أن يحدث للكتابة: أن تضطر الكاتبة إلى الدفاع عن نفسها، بدل أن تترك النص يدافع عن نفسه.
كم مرة أردت أن أصرخ: أريد أن أكتب. فقط. لأنني، كما أقول دائما، أعيش لأكتب. وأقصدها حرفيا. الكتابة ليست شيئا أفعله حين أجد وقتا؛ إنها فعل يقوم عليه يومي كله تقريبا. أقرأ لأكتب. أراقب لأكتب. أستمع إلى حديث عابر فأحتفظ بجملة. أرى شخصا في مقهى، فأفكر في حياته التي لا أعرف عنها شيئا. أنا أعيش وأنا أكتب في رأسي. وقد لا أدون ما ألتقطه فورا، لكنه يبقى هناك؛ أرشيفا صغيرا يتكدس داخلي باستمرار: جملة، نظرة، حركة، صوت، رائحة، شخصية، سؤال. وربما لهذا السبب أستمتع بفعل الكتابة أكثر بكثير من النشر. أحب تلك المنطقة السرية بين الفكرة والجملة، بين الشخصية التي لم تولد بعد والكلمة التي ستمنحها الحياة. أما النشر، فهو مرحلة أخرى. ولهذا أجدني مضطرة إلى توضيح أمر قد يبدو بسيطا، لكنه بالنسبة إلي مهم: ما أنشره على فايسبوك ليس سوى فتات من هذه الكتابة. أقولها بمحبة، لا انتقاصا مما أنشره. فايسبوك بالنسبة إلي مساحة للترويح عن الذات؛ أكتب، أنشر، أقرأ، أبتسم، ثم أعود إلى عالمي. لا أقيس قيمة ما أكتبه بعدد المشاركات أو الإعجابات، ولا أعتبر كل نص أنشره مشروعا يجب أن أحميه من لصوص الأدب. حتى إن أعاد أحدهم نشر نص قصير ونسبه إلى نفسه، فلن أخوض بالضرورة معركة من أجله. لأنني أعرف أن ما ترونه هنا ليس كل ما أكتب. هناك أعمال أشتغل عليها في صمت. أعمال لن أنشرها على فايسبوك، لأنها تحتاج إلى أن تولد كاملة؛ إلى وقت، وإعادة كتابة، وحذف، وبناء، وصبر، قبل أن تخرج في كتاب، لا في منشورات متفرقة. لا أريد أن أكتب رواية وأنا أراقب مؤشر الإعجاب. أريد أن أكتبها أولا. ثم أقرر أين ومتى وكيف ستصل إلى القارئ.
وختاما، إذا كانت أزمة المرأة في الكتابة، قديما، أن تجد لنفسها مكانا عند باب الكتابة، فإن أزمة الكاتبة اليوم، وخصوصا في المجتمعات المحافظة، قد تكون أنها بعد أن دخلت، وبعد أن كتبت، وبعد أن خلقت عالمها، تجد من يقف عند باب النص ليحاكمها، فخرجنا من أزمة ماذا سأقول، لأزمة التلقي، الكاتبة تدخل الكتابة لتتحرر من ذاتها، فيأتي المتلقي ليعيدها إليها.
وهنا أعود إلى عبارة الدكتور جحفة. ربما لم تعد المشكلة اليوم أن المرأة مطالبة بأن تصير رجلا كي تدخل الكتابة، بقدر ما أنها، بعد أن تدخلها، تظل مطالبة بأن تشرح لماذا لم تعد امرأة كما يريد لها الآخرون أن تكون. لكنني لا أريد أن أصير رجلا حين أكتب. ولا أريد، بعد أن أكتب، أن أظل امرأة تحت مراقبة القارئ. لا أريد أن أُقرأ بوصفي امرأة قبل أن أُقرأ بوصفِي كاتبة. أريد أن أكون كاتبة. فقط. فالكاتب يملك لحظة الكتابة، والقارئ يملك حق القراءة، أما الكاتبة فلا ينبغي أن تقدم حياتها قربانا كي يحق لنصها أن يعيش. ولهذا، إن كان عليّ أن أدخل الكتابة «أنثى مقلوبة»، فأنا أفضل أن أقلب المعادلة كلها: لا أريد أن أصير رجلا حين أكتب، ولا امرأة حين يقرؤونني. أريد أن أكون كاتبة. ثم أترك النص للعالم. ليحاكمه إن شاء. ليختلف معه إن شاء. ليحبه أو يكرهه. أما أنا، فسأعود إلى الكتابة. فثمة حيوات كثيرة لم أعشها بعد.

Gerçekten detaylı ve güzel anlatım olmuş, Elinize sağlık hocam.
https://addlinks.pro/HJqSC