مدارات الشاعر المغربي احساين بنزبير

خاص | مدار 24

▪️ ما الذي يجعلك تكتب؛ هل هو اضطراب العالم أم سكون الذاكرة؟
– بطريقة غبر مباشرة، تسألني لماذا أكتب؟ لقد استبدلتُ لماذا ب”كيف”. أي كيف الانشغال، كيف الطريقة. ثم كيف الدافع، أو كيف هذا ال’الكيف”، أو كيف أعطي أشكالا لأشياء هنا أو هناك. ثم الكتابة هي ألفة الغريب. ليس لأن الكلمات تستولي على الكاتب وتفسره، بل لأنها تجد فيه شيئا من الصدى، فتأتي لتصطدم به، من دون أن تحطمه. هذا الفعل فرداني. فالبداية تنخرط في العزلة. ولا وجود هنا لأي ملهمة لبدء فعل الكتابة. بحيث إن فعل الكتابة نفسه ليس، في نهاية المطاف، سوى التحقق من هذا الغياب. ثم كل الأشياء تنصهر في إراقة قليل من الحبر على البياض. نعم، البياض وقلم الرصاص. أكتب لأسبح في الرماد الذي يهطل على إقامتنا في هذا العالم المضطرب دوما ودائما.

▪️ الكتاب الذي تمنيت لو كنت مؤلفه، ولماذا يمسُّ جوهر روحك؟
– ثمة كتب عديدة ومتعددة. يصعب علي اختزالها في كتاب واحد. قد أنتقل من ابن المقفع إلى دريدا مثلا. أو من أبي حيان التوحيدي إلى مارغريت دوراس، … لكنْ، أحب أو أفضّل الكتب التي لا أفهمها بسهولة. مزاج. النفري مثلا يفعل فيّ فعل القتل كما يقال. ونثر ماندلشتام تحيرني كثرا وجدّا. الكتاب الذي يقلقني ويجعلني قلقا لأبحث أكثر عن خرائط لسانية وفكرية هو ما يستعيدني وينقذ الجوع المعرفي الذي نحمله، بالوعي أو بدونه. الكتاب الغامض جنة أو فردوس مفقود. ما علينا إلا أن نستشف نفور القارئ من كل كتابة غامضة. غير أن الغموض مستقبل إبداع نادر. والشاعر الجاهلي خير مثال. أطلاله وحدها كتاب أتمنى أن أكون كاتبه. والبيت الشعري عند ماندلشتام أيضا. وجملة النفري بئر مضامين. أرأيت ثمة روح نادرة في الكتب التي تتسيس في وضحها الآخر: الغموض الطيب.

▪️ أين تجد ملاذك حين تعجز الكلمات؟
– في الفن من طبيعة الحال. حين لا شعر لي، أتجه نحو الفن (الصباغة خصوصا). وذلك بحكم تكويني. الفنون الجميلة في المغرب وفرنسا. الآن، أرسم لنفسي وفقط لنفسي. ولا أحد يعلم بذلك، اللهم نفسي. اختيار انطولوجي. حين يغيب الشعر والنثر، أرسم. وكأني رسام سري. والأمر يستهويني. وهذا السفر بين الكلمات أشياء أخرى من قبيل اللون والقماش مثلا أتعلّم منه لأكتب بشكل أحسنن ربما. إنها مغامرتي المتواضعة والغمضة في الوقت نفسه. وحين أرسم، أفكر في الفن لا في الشعر. وهذا أمر مهم. في مخي، القن فن والشعر شعر. ولن أدخل في التفاصيل. الأمر في حاجة إلى ندوة فكرية.

▪️ شخصية أدبية كنت تودُّ تناول القهوة معها، وماذا ستسألها؟
– كان بودي أن أقول: لا أحد. وحتى أدخل في اللعبة، أجيب: النفري. هذا السيد له نثر فيه اعوجاجات لسانية مذهلة. وكأنه يربط عنق النثر ويستخرج للقارئ اليقظ شيئا من النخاع الشوكي للسان. إنه استثناء إبداعي. إنه البدعة التي لا بد منها. وسؤالي له: كيف حالك أيها النفري السيد؟

▪️ لو كان للثقافة صوت، كيف تصف نبرته في واقعنا اليوم؟
– لماذا لو؟ للثقافة دائما صوتها رغم كل شيء. صوت تحاربه هذه الليبرالية التي نعيش فيها اليوم. صوت الثقافة اليوم هو ” جهيرٌ مستمر”. المسألة جد معقدة. أعيش الأمر بقلق دائم. صعود الفاشية، صعود الوطنيات المتطرفة، صعود خطابات تتوهب (من الوهابية)، صعود الإقصاء العرقي، فاجعة غزة، … كل هذه الأمور جعل من الثقافة حيزا مستهدفا من طرف أجهزة سياسية واقتصادية. لكن الثقافة التي تقاوم، توجد ولحسن الحظ. توجد لا لتغير العالم، بل لتغير علاقتنا به. ونصوص لجاك دريدا مثلا تساعدني شخصيا لأفهم ميكانيزمات هذا السم والذي هو الفاشية الخفية. حتى في العالم العربي، نشم رائحتها في ما نقرأ وفي خطابات ثقافية تحارب الثقافة ذاتها. الفاشية تبدأ من اللغة كما قال رولان بارت. الصوت الحقيقي للثقافة أعثر عليه حين أقرأ نصا له وزن فكري وبلاغي. الصوت الحقيقي للثقافة أعثر عليه حين أزور معرضا فنيا يقلقني. أو أن أشاهد فيلما لبيرغمان مثلا وأيضا. المنافحة تكون ضد هذا التعصب القبلي الذي يكن لا وعينا، لسوء الحظ.

▪️ ما الذي ينقص المشهد الثقافي في بلدك ليكون أكثر تأثيراً وحيوية؟
– دور نشر لها طعم آخر. مجلات. سجالات صحية. ندوات فيها الجديد. خطاب سياسي وثقافي يتخلص من تقليدانيته القاتلة. وأشياء أخرى. وما ينقص أيضا: ابتسامة المثقف أمام لوحة العالم السوداء. ما ينقص هو الرقص في حلبة غريبة: أعني الرقص الفكري. ما ينقص أيضا هو جمالية أو شعرية التواضع في زمن نخرته الليبيراليات الآنية والقادمة. ما ينقص هو كتابة إيكلوجية في الشعر والفلسفة والرواية. التفكير إيكولوجيا في مشهدنا الثقافي. وهذا العنصر المهم شبه غائب حتى لا أقول غائبا. ما ينقص هو ما يمكن أن يساعدنا على إعادة ترتيب أوراقنا داخل غرفتنا في العالم الذي نحن فيه.

▪️ هل الكتابة وسيلة للنجاة أم مجرد توثيق للغرق؟
– فعلا. نعيش في عالم كارثي بامتياز. وفي رأيي المتواضع، الكتابة شهادة Témoigange. لكنها شهادة بما لا يمكن راويته أو حكيه. وهنا أفكر في الشعر من طبيعة الحال. الشاعر يكتب من “ما بعد الكارثة” (غزة مثلا)، فهو يشهد انطلاقا من تجربة تقاوم السرد وتستعصي عليه. ومن هنا ينبع هذا التوتر الأساسي لدى الشاعر: لا بد من الكلام، لكنْ ما ينبغي الكلام عنه يتجاوز الكلام نفسه. تسيلانْ يقول: ” القصيدة وحيدة، إنها منفردة وفي الطريق “. غبر أن هذه الوحدة ليسن انغلاقا. فالقصيدة تبحث عن الشهادة كغياب: مفارقة استحالية، ربما. عاينا كتابة لغة الجلادين رمزيا وشعريا.

▪️ ما هو الأثر الذي ترغب أن يتركه نصك الأخير في قارئٍ مجهول؟
– صراحة. أرغب أن يقول هذا القارئ المجهول ما يلي: ” صهْ، كم هو غامض شعره. لا أفهم “. أثر الغياب والقراءة التي تتطلب جهدا للدخول في نصوص تسكن غرابة اللسان من اجل تمتمة قادمة، دائما.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.