في مجموعته القصصية «وجوه طارش»، والتي تشتبك تجنيسًا مع مفهوم المتوالية القصصية، راهن أحمد طابور على لمسة أسلوبية او انتساب مراوغ يحاول الوصول الى درجة منال خفة (أو المرح) لتخفيف الطبيعة التكشيرية، المضطربة، والمنكسرة التي تستقر خلف الأقنعة.
فالشخصيات التي تناوبت على الاختفاء هي ذوات متشظية عن اصل واحد، شظايا مرآة. حاول الراوي لصقها لتظهر في النهاية طريقة مثالية لكشف الأوهام، وبلغة متقشفة لا تخلو من جرعة كبيرة من المرح، يخفي الراوي عن شخصياته نوعًا من الاغتراب، أو التكشيرة التي سببتها شروط حياة طاردة للطمأنينة. هذه التكشيرة توزعت على الوجوه جميعها كما لو أنها قدرا لايمكن النجاة منه، وعلى الرغم من المظهر الساخر الذي تواجه به الشخصيات القارئ. تظهر الثقوب التي تكشف شيئا فشيئا تلك النسخة الاصلية التي لا تطابق القناع.
اختار الراوي أقنعته عديدة لتبدو فيها الذات المسرودة (طارش خلف القناع) اصلية، لكنها في الحقيقة مثل شبح يظهر من بين الشقوق المفتوحة، فالشبح هو صورة أصلية تقود القارئ إلى فكرة مؤلمة تتعلق بخسارة قدرية ترافقها ابتسامة مزيفة. في النهاية، لا يظهر في جميع الأقنعة البطل المتوازن الذي يسعى لتأسيس بيت الطمأنينة، المتصالح مع ذاته، فيقع القارئ في مشهدية التطهير الشكسبيرية، ورغم القناع الضاحك. لا تمنح اللمسة الساخرة نفسها بشكل كامل، بل تقود القارئ للقيام برحلة بحث، عن الوجه الأصلي كاملا ، يجمع الشظايا ( الاقنعة) للوصول الى الوجه الاصلي المأساوي، والذي يحاول ان يمحو صورته، ويوزعها قصاصات ضاحكة.
فطارش، المصاب بنوع من الهوس أو الوسواس القهري، لم يعثر على وعيه بذاته، فهو يضع مصيره كله داخل فقاعة تمنحه الحياة الآمنة، لكن الخرائط التي رسمها، والتي روّج لها من خلال حكاياته الخيالية، لم تكن كافية لكي لا يقع في الفخ. وفي تلك اللحظة، ينقلب هذا الهوس إلى نوع من الاستلاب أو تدمير الذات. وعلى الرغم من اللغة الساخرة التهكمية للراوي، والذي يحاول إنقاذ طارش من انكساراته، لم يكن بمقدوري، أنا القارئ، أن أقف أمام مشهد كوميدي نقي يصلح للضحك. لقد ظهر الأمر لي قريبًا من تلك السوداوية التي تظهر في سينما شابلن: قناع ضاحك يخفي وجهًا باكيًا، في مفارقة أساسها البعد التراجيدي الذي يرافق عادة الشخصيات مسلوبة الإرادة ومكسورة الذات.
وطارش، في قناع الرياضي المهزوم، استعان بالحكايات لكي يضيفها إلى سندويشات الزبائن في انتقال حلمي ينطوي على مفارقة، فكان يخلق من الخيبات التي واجهته صورًا عن عالم مليء بالنجاح والمرح والمسرات، وهو يصنع من الخسارة بطولةً كما لو انه يقلب العالم على رأسه ليمشي معه في الطريق، عارضًا على ذاته تعويضًا مجزيًا، ومن الحظ السيئ ميداليات ذهبية، ومن التهميش قاعات تضج بالتصفيق، ومن التدهور حالة علوّ مثيرة للفخر، مشبعة للجوع النفسي، ولردم الفجوة العميقة داخل كياته المهزوم.
أما طارش البلجيكي، ورغم حظه الجيد في السفر والوصول إلى ضفة جديدة( الجنة المتوهمة)، فقد رافقه سوء الحظ، وسقط في حقل من الفخاخ. لم يتغير إلا في الظاهر، كما لو أن القناع وحده بديل للعجز، وشطب للتاريخ، لكن تصوراته عن العالم وعن نفسه ظلت كما هي. وبسبب هذا التناقض بين الخارج والداخل، بين القناع وما خلفه، خسر كل شيء في النهاية،.
ثم يمنحنا طارش في قناع تاجر الشلغم مساحة أكبر يزرع فيها بُعدًا رمزيًا، داخل مساحة تفسيرية في طبيعتها، ليعرض علينا عائلة تصل جذورها بعيدًا في تاريخ العراق، وجينات من الخيبة يتداولها جيل بعد الجيل الذي يليه. هذه القدرية تجعل الذات (الطارشية) تغيب داخل غيمة كثيفة من عدم القدرة على التغيير. هناك خسارة تتشكل من مادة قدرية، من استلاب، يقابل هذا الاستلابَ هروبٌ دائم إلى الوهم والسحر والخيالات والكوابيس أيضًا.
وتظهر حالة القلق في أحد أقنعة طارش؛ قلق وجودي ينظر الى العالم بوصفه وهما. فطارش يهرب من الواقع إلى السحر ليفسر اضطراب حياته، يذهب إلى طمأنينة مزيفة، ويعيش داخل قوقعة من عالم فانتازي مواز لعالم واقعي غير قادر على فهمة، او مواجهته. في النهاية، يقدم لنا الراوي صورة لبطل هارب من معركة، يلاحقه أعداؤه حتى في المدن البعيدة، بل وحتى داخل غرفة نومه. بطل مزيف لا يواجه، بل يفسر كل حدث ليحصل على تبرير للهروب، ولا يستخدم اللغة إلا بوصفها استعارة عن العجز.
هناك أستاذ الكيمياء ايضا، في قناع آخر لطارش، يوظف الخيال للهرب من ضغط أحلامه؛ رجل مقيد إلى رغبات يعرف أنها لن تتحقق واقعًا، فينسج مادة سردية لطلابه الذين يظهرون كلهم بأقنعة متعددة لطارش، حكايات متخيلة عن الحب والنساء الشقراوت، عن الفنادق والسيارات، الملابس والطعام الغريب، وعن المدن البعيدة بالطبع، وهو في سرده يحاول صناعة بطل مستقبلي( الطلاب) يحمل راية لا مرئية، موجودة في رأسه، ليشعر بأن هذا النسج الخيالي هو تعويض عن فشله في تحقيق رغباته. هناك طارش المسافر الدائم الذي لا أرض له، والهوية القلقة. هناك قناع الوطني، والمتدين، والمتهتك، والمنفتح على العالم، والمنغلق على الماضي؛ الشخصية غير المستقرة، المتشظية إلى ذوات متضاربة.
وعلى الرغم من تنوع الحبكات واختلاف زمن الحكايات، فإن أحمد طابور اختار أقنعته كلها لكي تناسب وجه طارش الأصلي، الذي لا يظهر إلا من خلال هذه الأقنعة؛ الوجوه التي تمثل استعارة عن العراقي. فالبطل ــ اللابطل ــ يظهر مبتسمًا، كما لو أنه يطرد تهمة أو يقدم مرافعة تنطوي على تبرئة للحياة من العجز. لكن القارئ سيقف أمام مشهد المصارع الذي يخسر النزال، تماما في تلك اللحظة التي يضرب فيها بكفه الأرض ليرسل إلى الحكم ، إشارة عن وضعه الذي لا يُطاق، وعن جسده الذي لم يعد راغبا بالاستمرار.
