زقورة أور بحلتها الجديدة

كتبه : محمد الحسين _ العراق

 

من الطابوق السومري الذي صمد آلاف السنين، إلى الزجاج الذي أثار موجة من السخرية، ترى هل تحتاج آثارنا إلى التطوير فعلًا، أم إلى فهم قيمتها التاريخية والجمالية؟

لقد أثار تركيب باب زجاجي (جامخانه)عند مدخل سلالم زقورة أور الأثرية في محافظة ذي قار موجة من الانتقادات والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد أعاد فتح النقاش حول أساليب حماية المواقع الأثرية، وحدود التدخل الحديث في المعالم التاريخية، والفرق بين صيانة التراث ومحاولة إعادة تشكيله وفق أذواق معاصرة.

وفي خضم هذا الجدل، نقدم هنا تصورًا ساخرًا لحلّ يبدو أنه ينسجم مع الذائقة التي أثارها المشروع الأخير، مستعينين بالذكاء الاصطناعي لتخيل زقورة أور بحلّة جديدة، تجمع بين الزجاج والحديد والأسلاك الشائكة والأعمدة ذات الطراز الروماني! كنموذج افتراضي يمكن تقديمه مجانًا إلى الجهات المعنية، بدلًا من تكليفها عناء البحث عن أفكار أكثر غرابة، ما دام التطوير قد أصبح، على ما يبدو، مرادفًا لإضافة كل ما هو حديث إلى كل ما هو قديم.

بعد التعاقد مع معمل «الكرار للزجاج»، كما يرد في الطرح الساخر، لعل الخطوة التالية تكون تغليف الزقورة بالكامل بطبقة زجاجية شفافة، تتيح للزائر مشاهدة الطابوق السومري من خلف واجهة لامعة، مع إضافة أسلاك شائكة تحيط بالموقع، ضمانًا لعدم اقتراب العابثين أو سارقي الآثار. وهكذا، يمكن أن تتحول واحدة من أقدم الشواهد الحضارية في بلاد الرافدين إلى ما يشبه منشأة حديثة شديدة التحصين، تحمي تاريخها من الخارج، وتحجب جزءًا من روحها في الداخل.

هنا تقف زقورة أور، بما تحمله من قيمة تاريخية وحضارية، شاهدًا على عظمة الحضارة السومرية التي ازدهرت في جنوب بلاد الرافدين. وقد صمدت بقاياها الطينية عبر قرون طويلة، في مواجهة عوامل الطبيعة والتعرية والتقلبات المناخية، فضلًا عن الحروب والتحولات التي شهدتها المنطقة.

ولعل المفارقة التي تستحق التأمل هي أن هذا البناء الذي قاوم الزمن بكل ما حمله من قسوة، أصبح اليوم محور نقاش بسبب تدخل حديث يُفترض أن يكون هدفه حمايته.

فليس كل تغيير تطويرًا، وليس كل ما يبدو جديدًا دليلًا على التقدم، كما أن العمارة ليست كسوة جاهزة يمكن وضعها على أي مبنى، بصرف النظر عن تاريخه وهويته والمواد التي شُيّد بها. لكل معلم أثري لغته الخاصة، ولكل حضارة أسلوبها الذي يمنحها شخصيتها المميزة، وأي تدخل لا يراعي هذه الخصوصية قد يتحول من محاولة للحماية إلى تشويه غير مقصود لقيمة المكان.

إن حماية الآثار لا تعني بالضرورة إضافة طبقات جديدة إليها، ولا تحويلها إلى واجهات زجاجية أو منشآت معدنية. بل تبدأ بفهم طبيعة موادها، وتشخيص المخاطر التي تهددها، واختيار الوسائل العلمية المناسبة لصيانتها، مع الحفاظ على أصالتها وشكلها التاريخي قدر الإمكان.

وإذا كان تركيب باب زجاجي عند مدخل السلالم في زقورة اور يُقدَّم باعتباره خطوة نحو حماية الموقع وتنظيم الوصول إليه، فلماذا لا نذهب أبعد من ذلك، ونمنح الزقورة فرصة حقيقية لمواكبة العصر؟

يمكن، على سبيل السخرية، استبدال بعض مظاهرها التقليدية بواجهات زجاجية حديثة، وإضافة سياج معدني أنيق تحيط به الأسلاك الشائكة، ثم نصب أعمدة رومانية ضخمة على جوانبها، لتكتمل بذلك عناصر الفخامة والحداثة. أما الهوية السومرية التي ارتبط بها المكان آلاف السنين، فيمكن التعامل معها بوصفها تفصيلًا من الماضي، لم يعد كافيًا لإرضاء متطلبات التطوير المعاصر! لكن هذا التصور العبثي يطرح سؤالًا جديًا: هل المطلوب أن نطوّر آثارنا فعلًا، أم أن نجعلها تبدو حديثة بأي ثمن؟

إن قيمة زقورة أور لا تكمن في قدرتها على استيعاب إضافات معمارية جديدة، بل في كونها شاهدًا ماديًا أصيلًا على تاريخ الإنسان في هذه المنطقة. وأي محاولة لإضفاء طابع معماري غريب عنها، حتى لو جاءت تحت عنوان التجميل أو التحديث، ينبغي أن تخضع لنقاش علمي ومهني جاد، لا أن تُمرر باعتبارها تحسينًا شكليًا لا يستحق الاعتراض.

يتمثل أحد أبرز أوجه الجدل في التبريرات التي يقدمها بعض المدافعين عن الحاجز الزجاجي (الجامخانه)إذ يرون فيه إجراءً ضروريًا لحماية البناء الطيني من العبث أو التآكل، ويربط بعضهم هذه الإجراءات بمتطلبات حماية المواقع الأثرية والمعايير الدولية المعنية بصون التراث.

ولا شك أن حماية الآثار مسؤولية أساسية، وأن تنظيم حركة الزوار ومنع التخريب والوصول غير المنضبط إلى الأجزاء الحساسة من المواقع الأثرية قد يتطلب حلولًا هندسية مدروسة. لكن وجود هدف مشروع لا يعني بالضرورة أن كل وسيلة مستخدمة لتحقيقه هي الوسيلة الأفضل، كما أن الإشارة إلى المعايير الدولية لا تغني عن توضيح الأساس العلمي الذي يستند إليه أي تدخل.

كما أن الاعتراض على الشكل الجمالي للمشروع لا يعني بالضرورة رفض حماية الزقورة، تمامًا وأن الدفاع عن حماية الآثار لا يقتضي تجاهل الملاحظات المتعلقة بالتنفيذ والتصميم. فالحوار الحقيقي يبدأ من التمييز بين ضرورة حماية الموقع، وكفاءة الوسيلة المستخدمة، ومدى انسجامها مع القيمة التاريخية للمكان.

إن ما يؤلمنا حقا هو ما يثير هذا الجدل أيضًا تساؤلات أوسع بشأن آليات اتخاذ القرار في مشاريع صيانة المواقع الأثرية، ومدى الاستفادة من الخبرات المتخصصة في العمارة والترميم والهندسة والحفاظ على التراث. ففي بلد يمتلك إرثًا حضاريًا استثنائيًا، وتُخصص فيه موارد مالية للمؤسسات الثقافية والجهات المعنية بالآثار، من حق الجمهور أن يعرف كيف تُختار مشاريع الصيانة، وما الدراسات التي تسبق تنفيذها، وهل تُعرض التصاميم على مختصين قبل اعتمادها، وما المعايير التي تحدد نجاح المشروع أو فشله.

إن الإنفاق على الثقافة لا يُقاس بالمبالغ المرصودة وحدها، بل بما ينتج عنها من حماية حقيقية للتراث، وتطوير للمواقع الأثرية، ورفع لمستوى الوعي بقيمتها. كما أن مسؤولية الجهات المعنية لا تقتصر على تنفيذ المشروع، بل تشمل شرح أسبابه وأهدافه للرأي العام، والاستماع إلى الملاحظات المهنية، وتوضيح ما إذا كانت هناك بدائل تحقق الحماية المطلوبة بقدر أقل من التأثير البصري على الموقع.

ومن هنا، فإن الانتقادات التي أُثيرت حول مدخل زقورة أور ينبغي ألا تُختزل في موجة سخرية عابرة، بل يمكن أن تكون فرصة لمراجعة طريقة التعامل مع المعالم التاريخية، وتعزيز الشفافية في مشاريع الترميم والصيانة، وإشراك الخبراء والمجتمع في النقاش بشأن مستقبل هذا الإرث.

ويأتي التصور الذي قدمناه هنا بمساعدة الذكاء الاصطناعي بوصفه محاكاة ساخرة لاحتمالات التوسع في منطق الإضافات الحديثة، أكثر من كونه مقترحًا هندسيًا قابلًا للتنفيذ. فحين تُدفع فكرة التحديث إلى أقصى حدودها، تظهر المفارقة بوضوح: قد نتمكن من إضافة الزجاج والحديد والأعمدة إلى أي بناء، لكننا لا نستطيع بالضرورة أن نجعله أكثر قيمة أو أقرب إلى روحه الأصلية.

في النهاية، لا تحتاج زقورة أور إلى أن تتخلى عن هويتها السومرية كي تثبت أنها قادرة على مواكبة العصر. إنها تحتاج إلى حماية تحترم تاريخها، وصيانة تستند إلى المعرفة العلمية، وتصاميم تراعي طبيعة بنائها ومحيطها، وإدارة تدرك أن الحفاظ على التراث مسؤولية تتجاوز الحلول السريعة والمظاهر الحديثة.

فالحضارة ليست زجاجًا نضيفه إلى الطابوق، ولا أعمدة نستعيرها من حضارات أخرى، ولا أسلاكًا شائكة نحيط بها آثارنا لنشعر بأنها أصبحت أكثر أمانًا. الحضارة هي أن نفهم قيمة ما ورثناه، وأن نحميه من دون أن نفقد ملامحه، وأن نضيف إلى خبرتنا في صون التاريخ بدلًا من أن نفرض عليه أذواق حاضرنا.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.