الكاتب رساماً || الحلقة الثانية : خوليا أوتشوا
إعداد وترجمة: عبد الهادي سعدون | كاتب وشاعر ومترجم عراقي
لم تعد الحدود الفاصلة بين الأجناس والفنون في النقد الأدبي والفني الحديث حدودًا ثابتة أو نهائية، إذ أصبح من الممكن النظر إلى العمل الإبداعي بوصفه فضاءً تتقاطع داخله أنظمة تعبير متعددة، وتتفاعل فيه الكلمة مع الصورة، والسرد مع التشكيل، والزمن مع المكان. وفي هذا السياق تبرز ظاهرة «الكاتب الرسام» باعتبارها إحدى أكثر الظواهر دلالة على تداخل الفنون، لا من حيث اجتماع موهبتين مستقلتين في شخص واحد فحسب، وإنما من حيث انبثاق التعبيرين الأدبي والتشكيلي عن تجربة جمالية واحدة. فالكاتب الذي يمارس الرسم لا يضيف إلى تجربته الأدبية نشاطًا هامشيًا أو ترفًا جماليًا، وإنما يكشف، من خلال ممارسته البصرية، عن مستوى آخر من مستويات علاقته بالعالم وباللغة وبالذات. ومن هنا يصبح الرسم نصًا موازيًا للكتابة، كما يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها تشكيلًا ذهنيًا للصورة. ولا تعني هذه العلاقة أن اللوحة تتحول إلى شرح للنص، أو أن النص يصبح تعليقًا على اللوحة، بل إن كليهما قد يعمل بوصفه نظامًا مستقلًا للدلالة، مع احتفاظهما بصلات عميقة تنبع من وحدة التجربة الإبداعية. تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة حين نضعها في ضوء تجارب عدد من الكتاب والشعراء الذين مارسوا الرسم أو ارتبطت أعمالهم الأدبية ارتباطًا وثيقًا بالفنون البصرية.

يفترض هذا البحث أن العلاقة بين الكلمة والصورة في تجربة الكاتب الرسام لا تقوم على التزيين أو التوضيح، وإنما على التفاعل البنيوي بين نظامين من أنظمة التعبير؛ فالكتابة تتحرك في الزمن عبر التتابع، في حين تتيح الصورة إدراكًا مكانيًا أكثر تكثيفًا، ومن ثم يمكن للرسم أن يصبح وسيلة لإظهار ما تعجز اللغة عن قوله بصورة مباشرة، كما يمكن للتكوين البصري أن يؤثر في بناء المشهد والوصف والإيقاع داخل النص الأدبي. وانطلاقًا من ذلك، تتحدد أهمية هذا البحث في السؤال الآتي: كيف يسهم تداخل الكتابة والرسم في إعادة تعريف التجربة الإبداعية للكاتب الرسام، وما الذي تضيفه الممارسة البصرية إلى بنية الكتابة وإلى طرائق إنتاج المعنى؟ وهل يتعلق الأمر بممارسة فنية مزدوجة، أم بوحدة إبداعية تتخذ أشكالًا تعبيرية مختلفة؟
▪️خوليا أوتشوا : نزعة حكيمة لفهم الكون
شاعرة وقاصة وفنانة تشكيلية. تضم أعمالها أكثر من ثلاثين عنواناً في الشعر والسرد وأدب الأطفال، وقد تُرجمت إلى عدة لغات وأُدرجت في مختارات مختلفة من الشعر، والشعر البصري، والقصة القصيرة جداً، في إسبانيا وأمريكا. من بين أعمالها الدواوين الشعرية التالية: تكوين بين الضوء والظل 1978، ضوء الهواء (بالتعاون مع النحات ريكاردو أوغارتي )1982، قنطور 1989، عصر البرابرة 1997، الثلج على أشجار التفاح2000، على دفء قلم 2001، مقهى غونتن 2004، بطء الضوء 2008، حديقة الرمل 2008، القيامة 2022. ومن كتبها القصصية: أسد في المطبخ 1999، تنويعات على لوحة لبول كلي 2002، إرسال غريب 2006، مكان في المتنزه 2010، مشهد عائلي مع شبح 2013، اعترافات ذبابة 2018، سعال كلب 2021، رجل المرآة2023، تحت نجوم التكرار (جائزة إقليم الباسك للأدب 2023)، اللحظة وظلها 2023.

تنطلق مساراتي الإبداعية، الأدبية منها والبصرية، من جذر واحد؛ فالقصة القصيرة جداً، والشعر، والشعر البصري، والعمل التشكيلي، والقصص الموجّهة للكبار والأطفال، وغيرها، ليست سوى أغصان لشجرة واحدة هي شجرة الشعر. والشعر هو جذر كل شيء، بوصفه إدراكاً للجمال من خلال الحساسية والرهافة.
في هذه العملية الإبداعية يحدث أن تكون الأداة الأقدر، في لحظة معينة، على التعبير عما أشعر به هي الشعر أحياناً، والقصة القصيرة جداً أحياناً أخرى، والعمل التشكيلي في أحيان ثالثة. أما هذا الأخير، فأفهمه من خلال عالم الضوء واللون، اللذين يفضيان إلى أشكال جمالية تروي، مثل لغة خاصة، حالة من حالات الروح.
وُلد عملي الفني، أو يكاد يكون قد وُلد في صورة كشف، حين حضرت عام 1978، برفقة زوجي، النحات ريكاردو أوغارتي، معرضاً استعاديّاًلأعمال الرسام فاسيلي كاندينسكي، رائد التجريد، في مدريد. يومها ترك في نفسي ذلك العالم المدهش من الأشكال والألوان، ومن الانفجارات التشكيلية والتوليفات والديناميات المفعمة بالنور والحياة، أثراً عميقاً. منذ ذلك الحين، وكأن صماماً قد فُتح في داخلي، بدأت أرسم. ثم جاءت رسوم قصصي الموجّهة للأطفال، وبعدها التصوير الفوتوغرافي، ثم، بعد سنوات، إبداع الشعر البصري والفن الرقمي، وهي المرحلة التي أعيشها الآن، بالتوازي مع كتابة القصة القصيرة جداً والشعر والشعرالبصري.

إن الحديث عن العملية الإبداعية غالباً ما ينطوي على شيء من الغموض. فالإبداع، الذي تقوده العاطفة والشغف، يسلك دروباً من البحث الجمالي أتصورها موازية لرحلة بحث في الحياة، تغذيها التجربة والمعرفة، أو على الأقل الاقتراب من شكل من أشكال المعرفة. وأنا أحب أن أصف هذا المسار الطويل في الوجود بأنه نسيج من النور والظلال، حيث تكون الأسئلة هي التي ترسم المسافة الصحية بين الفكر الجامد والمنغلق، وبين ذلك الفكر الآخر الذي أؤمن به: فكر متحرك، منفتح على تواضع الاعتراف بأخطائنا، ويتطلع، انطلاقاً من الحساسية، إلى شعرية الجمال وإلى جمال مسارات الاقتراب من معرفة الظواهر المتعددة للوجود، أكثر مما يتطلع إلى اكتشاف حقائق مطلقة. وإذا كان عليّ أن أختصر هذا الشغف الذي يحرّك عملي الإبداعي، بل ويحرك أيضاً تصوري للحياة في مجملها، فإن هذه الخلاصة ستكون: الشعري. ذلك الشعري الذي أراه في أساس كل ما أعمل، والذي يتنفس في فكري، وأجده جوهرياً في رؤيتي للعالم. وأعني بالشعري، في حالتي، بحثاً مرحاً وحسّاً يتجاوز الظاهر، ويتصل مرة أخرى بالرمزي بوصفه فضاءً روحياً أتعلم فيه أبجدية الحساسية.
إن الأثر الإنساني والثقافي الذي نتركه من خلال عبورنا في الحياة ومن خلال إبداعنا، يمكن أن يصبح، غداً، مأوى للآخرين؛ مأوى يخفف مخاوفهم وأسئلتهم، ويغذي أحلامهم في المعرفة. وهذا هو ما فعله، بالطريقة نفسها، مبدعون سبقونا: كتّاب ونحاتون ورسامون ومعماريون وموسيقيون وغيرهم، تركوا لنا مراجع وآثاراً نهتدي بها ونواصل البحث من خلالها.

ومن بين هذا الإرث الجميل الذي وصلنا من الآخرين، سأظل أتذكر دائماً ــ لأنه أيضاً ما يهمني في مساري الحياتي والجمالي ــ تلك العقلية النهضوية الجميلة التي تخيلت الكون مترابطاً، ورأت في مختلف مجالات المعرفة طريقاً واحداً نمضي فيه إلى الأمام.
معارف كانت توحّد القدرة التأملية والنظرية للفكر مع الخيال، في زاد ذهني غني يدمج بين الإنساني والكوني، وبين الجمالي والمادي، ويجمع مختلف مجالات المعرفة في توق واحد إلى التفكير. إنها، في جوهرها، نزعة حكيمة إلى فهم الكون فهماً روحياً يتجاوز الظاهر ويتطلع إلى المعنى.
