الكاتب رساماً || الحلقة الثالثة : عادل كامل
إعداد : عبد الهادي سعدون _ وشاعر ومترجم وكاتب
لم تعد الحدود الفاصلة بين الأجناس والفنون في النقد الأدبي والفني الحديث حدودًا ثابتة أو نهائية، إذ أصبح من الممكن النظر إلى العمل الإبداعي بوصفه فضاءً تتقاطع داخله أنظمة تعبير متعددة، وتتفاعل فيه الكلمة مع الصورة، والسرد مع التشكيل، والزمن مع المكان. وفي هذا السياق تبرز ظاهرة «الكاتب الرسام» باعتبارها إحدى أكثر الظواهر دلالة على تداخل الفنون، لا من حيث اجتماع موهبتين مستقلتين في شخص واحد فحسب، وإنما من حيث انبثاق التعبيرين الأدبي والتشكيلي عن تجربة جمالية واحدة. فالكاتب الذي يمارس الرسم لا يضيف إلى تجربته الأدبية نشاطًا هامشيًا أو ترفًا جماليًا، وإنما يكشف، من خلال ممارسته البصرية، عن مستوى آخر من مستويات علاقته بالعالم وباللغة وبالذات. ومن هنا يصبح الرسم نصًا موازيًا للكتابة، كما يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها تشكيلًا ذهنيًا للصورة. ولا تعني هذه العلاقة أن اللوحة تتحول إلى شرح للنص، أو أن النص يصبح تعليقًا على اللوحة، بل إن كليهما قد يعمل بوصفه نظامًا مستقلًا للدلالة، مع احتفاظهما بصلات عميقة تنبع من وحدة التجربة الإبداعية. تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة حين نضعها في ضوء تجارب عدد من الكتاب والشعراء الذين مارسوا الرسم أو ارتبطت أعمالهم الأدبية ارتباطًا وثيقًا بالفنون البصرية. يفترض هذا البحث أن العلاقة بين الكلمة والصورة في تجربة الكاتب الرسام لا تقوم على التزيين أو التوضيح، وإنما على التفاعل البنيوي بين نظامين من أنظمة التعبير؛ فالكتابة تتحرك في الزمن عبر التتابع، في حين تتيح الصورة إدراكًا مكانيًا أكثر تكثيفًا، ومن ثم يمكن للرسم أن يصبح وسيلة لإظهار ما تعجز اللغة عن قوله بصورة مباشرة، كما يمكن للتكوين البصري أن يؤثر في بناء المشهد والوصف والإيقاع داخل النص الأدبي. وانطلاقًا من ذلك، تتحدد أهمية
▪️عادل كامل رساماً
كاتب وناقد وفنان تشكيلي وصحفي عراقي، وُلد في محافظة ذي قار عام 1947 وتوفي في بغداد عام 2019. درس في معهد الفنون الجميلة في بغداد، حيث تخرّج عام 1977. جمع في تجربته الثقافية بين الكتابة الصحفية والنقد الفني والاهتمام بالحركة التشكيلية العراقية، وأسهم في متابعة تطورها وتحولات اتجاهاتها الفنية والفكرية. عمل في عدد من المؤسسات الصحفية والثقافية العراقية، من بينها مجلة «ألف باء» وجريدتا «العراق» و«الزمان»، كما تولّى مهام ثقافية وإشرافية في مؤسسات إعلامية أخرى. وشارك في أنشطة اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين ونقابة الفنانين العراقيين وجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، وارتبط نشاطه بالحركة النقدية والفنية في العراق. اهتم بتوثيق التجربة التشكيلية العراقية وتحليل مساراتها التاريخية والجمالية، ومن أبرز مؤلفاته كتاب «الحركة التشكيلية المعاصرة في العراق: مرحلة الرواد»، الصادر عام 1980، الذي تناول جانبًا من نشأة الفن التشكيلي العراقي الحديث وتجارب رواده. من أعماله القصصية مجموعة “عربة الحصان الميت” ورواية “جهنم”.
يصعب النظر إلى تخطيطات الكاتب العراقي الراحل عادل كامل (1947ـ2017) بوصفها رسوماً منفصلة عن مشروعه الفكري والأدبي. فهو ليس رساماً فحسب، وإنما قاص وروائي وناقد فني أيضاً، ولذلك تبدو أعماله وكأنها امتداد آخر للكتابة، أو لغة ثانية تستبدل الكلمات بالخطوط، والجمل بالكتل، والسرد بالإيقاع البصري. إن المتلقي لا يواجه صوراً جاهزة أو مشاهد وصفية، بل يدخل فضاءً من الإشارات والرموز التي تستدعي التأمل أكثر مما تستدعي القراءة المباشرة. في رسوماته، يلاحظ أن الخط يحتل مركز السيادة في هذه الأعمال. فهو ليس مجرد وسيلة لرسم حدود الأشكال، وإنما العنصر البنائي الذي يخلق الكتلة والضوء والظل والفراغ في آن واحد. وتكشف كثافة الخطوط المتقاطعة عن معرفة دقيقة بقيم الرسم الخطي، وبالإمكانات التعبيرية للحبر أو القلم، حتى ليخيّل للمشاهد أنه أمام أعمال تنتمي إلى تقنيات الحفر الطباعي أكثر مما تنتمي إلى الرسم التقليدي. هذه التقنية تمنح السطح طاقة داخلية، وتجعل التكوين قائماً على الاقتصاد في الوسائل والثراء في النتائج.

لا تعتمد تخطيطاته ورسومه على المنظور الواقعي أو المحاكاة، بل تنتمي إلى رؤية رمزية تعبيرية، تتعامل مع الأشياء بوصفها علامات نفسية وفكرية. فالوجوه، والأطراف البشرية، والأوعية، والكتل الحجرية، والكائنات الهجينة، لا تؤدي وظيفة وصفية، وإنما تتحول إلى مفردات في قاموس بصري خاص، تتكرر بصيغ مختلفة لتؤسس عالماً تتداخل فيه الذاكرة بالحلم، والواقع بالأسطورة، والإنسان بالمكان. إن حضور الجسد في هذه الأعمال ليس حضوراً تشريحياً، بل حضور وجودي. فالجسد غالباً مجزأ، أو مختزل، أو محاصر داخل بناء مغلق، وكأن الفنان لا يرسم الإنسان بقدر ما يرسم مصيره. هنا تتحول الأيدي والرؤوس والأقنعة إلى استعارات عن العزلة والقلق والانتظار، وهي موضوعات تكاد تشكل البنية العميقة لتجربة عادل كامل الأدبية أيضاً. لذلك لا تبدو هذه الرسوم منفصلة عن عالمه القصصي، وإنما تمثل الجانب الصامت من السرد الذي يكتبه.

لعل أكثر ما يميز هذه التجربة هو غياب السرد المباشر. فلا نجد حكاية واضحة أو حدثاً يمكن تتبعه، بل نجد أثراً لحكاية اختفت، ولم يبق منها سوى بقاياها البصرية. إن كل تخطيط يبدو وكأنه صفحة مقتطعة من رواية غير مكتوبة، أو مشهد أخير من حلم لا يعرف المشاهد بدايته. وهذا ما يمنح الأعمال كثافة تأويلية، ويجعلها قابلة لقراءات متعددة دون أن تستنفد معناها. تكشف البنية التكوينية عن ميل واضح إلى إحكام العلاقات بين الكتل والفراغات. فالعناصر لا تتوزع عشوائياً، وإنما تتحرك داخل نظام بصري متوازن، حتى عندما تبدو الأشكال قلقة أو متنافرة. ويلاحظ أيضاً أن معظم التكوينات تتجه نحو الانغلاق داخل حدود اللوحة، فلا تمتد إلى الخارج، بل تكتفي ببناء عالمها الداخلي، الأمر الذي يضفي على الأعمال إحساساً بالعزلة والتأمل والانكماش النفسي. من الناحية الأسلوبية، لا يبدو عادل كامل تابعاً لمدرسة بعينها، وإن أمكن العثور على أصداء بعيدة للتعبيرية الأوروبية، وبعض تقنيات الحفر، فإن هذه التأثيرات تذوب داخل شخصية فنية مستقلة.

فالخطاب البصري هنا لا يستعير جاهزاً من التجارب العالمية، بل يعيد إنتاجها ضمن رؤية عراقية خاصة، تتشكل من خبرة ثقافية وأدبية طويلة، ومن إحساس عميق بتاريخ الإنسان العراقي وتحولاته. كما تكشف هذه الرسوم عن معرفة نقدية بالفن نفسه. فالفنان، بحكم كونه ناقداً فنياً، يدرك وظيفة الشكل، والعلاقة بين المادة والمعنى، وبين الرمز والبناء التشكيلي. لذلك لا نجد زخرفة مجانية، ولا استعراضاً تقنياً، وإنما اقتصاداً واعياً في الوسائل، يقابله ثراء في الدلالة. وهذا ما يمنح الأعمال طابعاً فكرياً لا يقل أهمية عن قيمتها التشكيلية.

إن الخيار الجمالي عند عادل كامل يجعل الأعمال أقل انفتاحاً على المتلقي العادي. فالكثافة الرمزية، وتكرار بعض المفردات، والاعتماد شبه الكامل على الخط، قد تجعل بعض التخطيطات تبدو مغلقة أمام من يبحث عن موضوع واضح أو رسالة مباشرة. غير أن هذه السمة ليست نقصاً بقدر ما هي جزء من طبيعة المشروع الفني نفسه، الذي يراهن على التأويل لا على التلقي السريع. إذ تقدم تخطيطات عادل كامل نموذجاً نادراً لتداخل الأدب والفن التشكيلي في تجربة واحدة. فهي لا تكتفي بأن تكون رسوماً ملفتة، بل تتحول إلى كتابة بصرية تستعير من القصة كثافتها، ومن الرواية عمقها، ومن النقد الفني وعيه بالشكل، لتنتج خطاباً بصرياً مستقلاً يمتلك لغته الخاصة. إنها أعمال تدعو إلى التأمل أكثر مما تدعو إلى المشاهدة، وإلى التفكير أكثر مما تدعو إلى الإعجاب العابر، ولذلك تظل قيمتها الحقيقية كامنة في قدرتها على فتح فضاءات جديدة للمعنى، وفي تحويل الخط البسيط إلى أداة للكشف عن الإنسان وذاكرته وهواجسه الوجودية. يمكنني القول هنا كنقطة نهائية لمعاينة هذه المجموعة المنتقاة من التخطيطات التي ضمنها الكاتب في كتابه (عند جذر الوردة/1997/ طبعة شخصية ـ فوتوكوبي)، بإنها ليست هامشاً على منجزه الأدبي، بل هي أحد وجوهه الأساسية؛ فالكاتب هنا يرسم كما يكتب، والناقد يفكر بالصورة كما يفكر بالنص، فتغدو اللوحة صفحة أخرى من كتاب لا نهائي.
