حائك السجاد : قراءة في العقل السياسي الإيراني || من الذاكرة الحضارية إلى هندسة النفوذ وفن الدبلوماسية

كتبه : علي رضا حائري _ كاتب وباحث ومترجم عراقي

تشبه السياسة الخارجية الإيرانية سجادة فارسية عريقة، لا تتجلى تفاصيلها للناظر من الوهلة الأولى؛ فكل خيط فيها يرتبط بغيره، وكل عقدة تؤدي وظيفة ضمن نسيج متكامل وما يبدو أحيانا تناقضا أو تراجعا أو تبدلا في المواقف، قد يكون جزءا من حسابات أوسع لا يمكن فهمها بالنظر إلى حدث منفرد أو تصريح عابر .

إن قراءة العقل السياسي الإيراني تتطلب النظر في تاريخه الحضاري، وتكوينه الثقافي، ومصادر شرعيته السياسية والدينية، فضلا عن إدراكه لطبيعة البيئة الإقليمية والدولية المحيطة به فإيران لا تتحرك في فراغ، ولا تنطلق سياستها من عامل واحد؛ بل تتداخل في قراراتها اعتبارات الأمن والاستقلال والهوية والمصلحة، ضمن شبكة معقدة من التوازنات.

▪️أولا : السياسة الخارجية بوصفها فن التراكم

لا تقاس السياسة الخارجية الإيرانية دائما بنتائجها الفورية، بل بقدرتها على بناء أوراق القوة وتوظيفها على امتداد الزمن فالتفاوض، وتعدد قنوات الاتصال، والاحتفاظ بالخيارات، والصبر على التحولات، كلها عناصر تدخل في إدارة العلاقة مع الخصوم والحلفاء على السواء ، يحذر السيد علي الخامنئي في كتاب «استراتيجيات السياسة الخارجية» من أحد مظاهر الضعف في إدارة العلاقات الدولية، قائلا: “إن من أسوأ أشكال الدبلوماسية أن يقوم بلد ما، بدبلوماسية انفعالية، بمتابعة ما يقوله و يفعله الآخرون” تكشف هذه العبارة عن أهمية استقلال القرار السياسي عن ردود الأفعال الآنية؛ فالدولة التي تجعل خطواتها رهينة تصريحات خصومها تمنحهم القدرة على تحديد إيقاع سياستها أما الدولة التي تسعى إلى إدارة مصالحها وفق رؤية طويلة الأمد، فإنها تحاول تحويل الوقت إلى عنصر من عناصر القوة، بدل أن يكون عبئا عليها ومن هنا، فإن الصبر الاستراتيجي لا يعني بالضرورة السكون أو الامتناع عن الفعل، بل قد يكون وسيلة لإعادة ترتيب الأوراق، وانتظار اللحظة المناسبة، واستثمار التغيرات في موازين القوى

▪️ثانيا : الشخصية الإيرانية بين الذاكرة التاريخية والشعور بالأمان

لا يمكن فهم جانب من السلوك السياسي الإيراني من دون الالتفات إلى الذاكرة التاريخية التي تشكلت عبر قرون من الحروب والغزوات والتحولات الداخلية والتدخلات الخارجية فالتجارب المتراكمة تترك أثرها في تصور الدولة لمحيطها، وفي تقديرها لمخاطر الاعتماد على الآخرين، وفي حرصها على حماية استقلال قرارها وفي مقال الكاتب البحراني عادل علي عبدالله «قراءة في الشخصية الإيرانية»، يرد وصف الشعور المزمن بعدم الأمان بوصفه أحد العوامل المؤثرة في هذه الشخصية: «الشعور المزمن بعدم الأمان، ما يجعل الإيراني -على الأغلب- مرتابا من كل ما حوله من أقوال وأفعال، فالأمور ليست بالبساطة التي تبدو عليها ظاهريا؛ وهذا ولد لديه خاصية «سوء الظن»

ويشير الكتاب نفسه إلى تحلي الشعب الإيراني بخصال وقائية وقدرة ملفتة للنظر يتميز بيها تمكنه من استيعاب المتغيرات ومقاومتها : «تلك الخصال الوقائية مكنت الشخصية القومية من امتصاص آثار الغزوات المتكررة التي واجهت فارس عبر قرون، فغاصت بهويتها إلى القعر، ومنعت الانصهار الحضاري مع الغزاة، وهذا ولد خاصية «الشعور بالتفوق الاستثنائي »

وبصرف النظر عن اختلاف الأفراد وتعدد اتجاهاتهم داخل المجتمع الإيراني، فإن هذه القراءة تضيء جانبا من العلاقة بين الذاكرة التاريخية والوعي السياسي؛ إذ قد يتحول الشعور بالتهديد إلى دافع لتعزيز الاستقلال، والتمسك بالهوية، والتحفظ في منح الثقة للقوى الخارجية

وفي كتابه «إيران من الداخل»، يعبر فهمي هويدي عن صعوبة النفاذ إلى أعماق هذه الشخصية بقوله: «ليس يسيرا أن تصل إلى أعماق الإيراني» ويمكن فهم هذه العبارة في إطار التداخل بين الموروث التاريخي والحسابات السياسية والخصوصية الثقافية، وهي عناصر تجعل اختزال المجتمع الإيراني في صورة واحدة أمرا مضللاً.

▪️ثالثا : تعدد مراكز القرار،الفوضى الظاهرة والنظام العميق

تتسم بنية القرار السياسي الإيراني بتعدد المؤسسات والجهات المؤثرة، وتفاوت اختصاصاتها وأدوارها وقد يبدو هذا التعدد، من الخارج، مصدرا للتناقض أو الاضطراب، لكنه لا يفهم على نحو دقيق إلا من خلال دراسة طبيعة المؤسسات، وحدود صلاحياتها، وآليات التفاعل فيما بينها ولا يعني تعدد مراكز القرار أن كل جهة تتحرك بمعزل عن الأخرى، كما لا يعني بالضرورة وجود انسجام كامل في جميع الملفات فالعلاقات بين المؤسسات قد تجمع بين التنسيق والتنافس، وبين وحدة بعض الغايات والاختلاف في تقدير الوسائل المناسبة لتحقيقها.

يلفت ديفيد أو سيرز وشيري ليفي، في مقال منشور لهما في الجزء الاول من كتاب “المرجع في علم النفس السياسي” ، إلى أثر استقرار الولاءات السياسية أو تبدلها في طبيعة الممارسة السياسية، فيقولان: «فالنظام الذي يكون فيه الموالون سياسيا ثابتين جوهريا خلال سني الرشد سيؤدي إلى ممارسة سياسية مختلفة تماما عن النظام الذي يتجدد فيه شكل الموالين تبعا لكل ظرف أو مناسبة سياسية…»

وعلى الرغم من أن هذه الملاحظة تتناول الولاءات السياسية، فإنها تساعد على فهم أهمية الاستمرارية المؤسسية في تحليل السياسات العامة؛ فاستقرار التوجهات لا يرتبط بالأشخاص وحدهم، بل يتصل أيضا ببنية النظام، وآليات صنع القرار، وقدرة المؤسسات على المحافظة على أولوياتها في ظل تغير الظروف لذلك، فإن قراءة السياسة الإيرانية من خلال تصريح منفرد أو موقف صادر عن جهة واحدة قد تؤدي إلى استنتاجات متسرعة، ما لم توضع تلك التصريحات والمواقف ضمن سياقها المؤسسي والاستراتيجي الأوسع

▪️رابعا : بين العقيدة والمصلحة،معنى الاستقلال وحدود التنازل

تتداخل في السياسة الإيرانية الاعتبارات العقائدية مع الحسابات الواقعية فخطاب الاستقلال ومقاومة الهيمنة ليس منفصلا عن المصالح الأمنية والاستراتيجية، كما أن السعي إلى تحقيق المصالح لا يعني بالضرورة التخلي عن المبادئ المعلنة وتكمن صعوبة التحليل في تحديد الكيفية التي تتفاعل بها هذه العناصر،والظروف التي يتقدم فيها أحدها على الاخر،صعوبةٌ و تعقيدٌ أشار إليها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في معرض حديثه عن صعوبة المفاوضات مع الإيرانيين :« الحقيقة أننا نتعامل مع رجال دين شيعة متطرفون يتعاملون مع القرارات الجيوسياسية من وجهة نظر مذهبية،وهذا أمر معقد جدا» وفي «استراتيجيات السياسة الخارجية»، يناقش السيد الخامنئي العلاقة مع الولايات المتحدة وحدود التنازل في المواجهة السياسية، محذرا من القبول بالشروط المهينة وما قد يترتب عليها من مساس بكرامة الشعب واستقلاله.

ويضيء هذا الطرح جانبا من الرؤية الإيرانية إلى التفاوض؛ فالتفاوض، وفق هذا التصور، ليس غاية قائمة بذاتها، بل وسيلة لتحقيق المصالح، وتظل قيمته مرتبطة بشروطه ونتائجه وما يتيحه من ضمانات ومن ثم، فإن رفض اتفاق معين لا يفسر دائما بوصفه رفضا لمبدأ التفاوض، مثلما أن قبول التفاوض لا يعني بالضرورة استعدادا لتقديم تنازلات غير محدودة وتتصل هذه الرؤية بما كتبه ميشيل فوكو في «المقالات الإيرانية» عن الدور الذي يؤديه المذهب الشيعي في الوعي السياسي الإيراني، إذ يقول: «إن المذهب الشيعي يهب أتباعه تطلعات لا تنتهي، في مواجهة السلطة القائمة، وينفث فيهم حمية سياسية ودينية في الوقت نفسه» ويضيف فوكو: «إن الإيرانيين يريدون كل شيء، وهو ما يذكرنا بالطلاب الأوروبيين في الستينيات، لكن الغاية هنا ليس تحرير الرغبات، كما هو الحال في أوروبا، بل هي الانعتاق من كل أشكال ورموز الهيمنة الكونية على بلدهم وفي حياتهم اليومية» وتسلط هذه القراءة الضوء على البعد الرمزي والثوري في التجربة الإيرانية، حيث لا تقتصر المطالب السياسية على إدارة شؤون الدولة، بل تتصل كذلك بتصورات أوسع عن الاستقلال والكرامة ورفض الهيمنة ومع ذلك، فإن فهم السياسة الإيرانية يقتضي التمييز بين الخطاب العقائدي من جهة، والخيارات العملية التي تفرضها موازين القوى من جهة أخرى، من دون إغفال تأثير كل منهما في الآخر

▪️خامسا : الدبلوماسية الإيرانية ، الصداقة المعلنة والاستعداد للمواجهة

تقوم الدبلوماسية على الجمع بين المرونة والحذر، وبين إبقاء أبواب التفاهم مفتوحة والاستعداد لاحتمالات الصراع وقد عبر وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف عن جانب من هذه النظرة في مذكراته «صمود الدبلوماسية»، قائلا: «ينبغي أن تكون واقعيا في الدبلوماسية، فلا صديق في الدبلوماسية، وفي المقابل ينبغي أن تتظاهر أمام الجميع بالصداقة» لا تعني هذه العبارة بالضرورة إنكار الصداقات الحقيقية بين الدول، بقدر ما تعبر عن طبيعة العلاقات الدولية التي تتأثر بالمصالح المتغيرة، وتفرض على صانع القرار ألا يخلط بين المجاملة الدبلوماسية والضمانات السياسية فالعلاقات قد تتقاطع فيها المصالح في مرحلة معينة، ثم تتباعد حين تتغير الظروف .

▪️سادسا : إيران والولايات المتحدة ، القضية التي تتجاوز حدودها

تحتل إيران موقعا خاصا في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، ليس فقط بسبب قدراتها وإمكاناتها، بل أيضا بسبب طبيعة الصراع بين البلدين، وامتداداته الإقليمية، وتأثيره في توازنات الشرق الأوسط ولهذا، فإن العلاقة بين واشنطن وطهران تتجاوز حدود الخلاف الثنائي لتصبح عنصرا مؤثرا في تشكيل سياسات المنطقة وفي كتابه «استهداف إيران»، يذهب سكوت ريتر إلى القول: «إيران هي القضية الوحيدة التي يمكن أن تدمر أمريكا في السنين القادمة…» ويعكس هذا التعبير تقديرا لخطورة المواجهة المحتملة بين البلدين، ولما يمكن أن تفضي إليه من نتائج تتجاوز حدود ساحة الصراع المباشرة وفي الاتجاه نفسه، يكتب فرانسوا نيكولا في كتاب «العمامة والوردة»: «وبالنسبة للأمريكيين أيضا فإن إيران هي المحاور الوحيد الذي يستحق الاهتمام في المنطقة ودون مقارنة مع الدول التي تقع وراءها» وعند وضع القولين في سياق واحد، تظهر العلاقة بين القضية ونتيجتها: فالمكانة التي تحتلها إيران في الحسابات الأمريكية تجعلها طرفا لا يمكن التعامل معه بوصفه شأنا هامشيا أو ملفا ثانويا، كما أن حجم المخاطر التي قد تنشأ عن المواجهة يرفع من أهمية فهم طبيعة النظام الإيراني، وأولوياته، وحدود قدرته على المناورة ولا يعني ذلك أن العلاقة محكومة حتما بالمواجهة الدائمة، بل إن إدراك ثقل إيران الاستراتيجي قد يجعل التفاوض والردع وإدارة الأزمات أدوات لا تقل أهمية عن الضغط فكلما ارتفعت كلفة الصراع، ازدادت الحاجة إلى تقدير نتائجه المحتملة، وإلى فهم الطرف الآخر بعيدا عن الصور النمطية والتبسيطات السياسية

▪️سابعا : استشهاد السيد الخامنئي وأثره في السياسة الإيرانية

لا يمكن قراءة التحولات المحتملة في السياسة الإيرانية بمعزل عن الأثر الذي يتركه استشهاد القادة في الوعي السياسي والجمعي، ولا سيما حين يكون القائد المستهدف في موقع محوري من بنية النظام وتوجهاته الاستراتيجية فالأحداث من هذا النوع لا تقف آثارها عند حدود اللحظة، بل قد تمتد إلى طريقة إدراك التهديد، وتحديد الأولويات، ورسم مسارات المواجهة في المدى اللاحق ، يوضح ديفيد أو سيرز وشيري ليفي في مقالهما المومأ إليه سابقا من أنه«وحتى التعرض للعنف البعيد، مثل اغتيال قائد شعبي، يمكن أن يكون له تأثيرات عميقة على المدى القريب، وربما يكون له تأثيرات سياسية بعيدة المدى أيضا…»

ومن هذا المنظور، فإن استشهاد السيد الخامنئي لا يقرأ بوصفه حدثا منفصلا عن مسار السياسة الإيرانية، بل بوصفه حدثا قد يترك أثرا في الوعي السياسي، وفي تقدير طبيعة الصراع وحدود الرد، وفي موازنة الاعتبارات العقائدية والاستراتيجية غير أن اتجاه هذا الأثر ومآلاته يظلان مرتبطين بكيفية تفاعل مؤسسات الدولة والقيادة الإيرانية مع الحدث، وبالظروف الإقليمية والدولية المحيطة به

وفي ضوء ذلك، تكتسب فكرة إعادة حسابات القوة أهمية خاصة؛ إذ قد تدفع الأحداث المفصلية إلى مراجعة بعض أدوات السياسة الخارجية، من دون أن تعني بالضرورة التخلي عن الثوابت التي تستند إليها فالتغيير في الوسائل لا يستلزم دائما تغيير الغايات، كما أن التحولات الكبرى قد تعيد ترتيب الأولويات وتمنح بعض الخيارات وزنا أكبر من السابق.

وفي سياق قراءة التحولات الاستراتيجية الإيرانية، تشير فاطمة الصمادي في كتاب «إيران وحماس» إلى احتمال إعادة صياغة الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية في ضوء قراءتها لآثار عمليتي «طوفان الأقصى» و«الوعد الصادق»، بما يفتح الباب أمام مراجعة بعض المسلمات السابقة في إدارة الصراع ، يمكن فهم الصبر الاستراتيجي بوصفه سياسة مرتبطة بظروف معينة، لا قاعدة جامدة تمنع إعادة تقييم الوسائل عندما تتغير طبيعة التهديدات وموازين القوى

إن استشهاد قائد محوري قد يعمق بعض الاتجاهات القائمة أو يسرع مراجعة بعضها الآخر؛ لكن تحديد النتيجة النهائية يتطلب متابعة القرارات الفعلية، والتوجهات المؤسسية، وطبيعة الاستجابة الإيرانية، بدل الاكتفاء بالتوقعات التي يثيرها الحدث في لحظته الأولى.

▪️ثامنا : الأدب الفارسي بوصفه مرآة للوعي السياسي

يمثل الأدب الفارسي أحد المفاتيح الثقافية لفهم جانب من التصورات الإيرانية عن السلطة والعدالة والحرب والسلم فالشعراء الفرس لم يقتصروا على التعبير عن التجربة الوجدانية أو التأملات الصوفية، بل تناولوا أيضا الحكمة السياسية، وأخلاق الحكم، وحدود القوة، والعلاقة بين العزم والتدبير ويظهر ذلك في استحضار المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أبياتا من ديوان «بوستان» للشاعر الإيراني المعروف سعدي الشيرازي،في سياق حديثه عن الواقع المعاصر والدبلوماسية.فاستدعاء النص الأدبي هنا لا يؤدي وظيفة تزيينية فحسب، بل يربط الموقف السياسي بتراث ثقافي يملك قدرة على تكثيف المعنى وإيصاله.وقد عبر سعدي الشيرازي عن هذا المعنى أبيات مهمة من قصيدته هذه،حين ربط بين تفضيل السلم وضرورة الاستعداد للحرب عند تعذر الحلول:

سواء أكنت ذا بأس كالفيل الهائج،أو ذا مخالب كأسد هصور

فإن السلم في نظري خير وأفضل من الحرب

فإذا انقطعت جميع السبل، وأعيت الحيل كلها جاز حينئذ أن تستل السيوف وترفع الأيدي إليها

إن مال العدو إلى الصلح فلا تعرض عنه وإن آثر الحرب فلا ترخ زمام العزم ولا تتراجع

فإن أغلق هو باب القتال تضاعفت مكانتك وهيبتك ألف ضعف

وإن أقدم على الحرب ووضع قدمه في ركابها فلن يؤاخذك يوم الحشر الديان على مقارعته

وعليك أيضا أن تكون للحرب أهلا إذا استثيرت الضغائن

فمهادنة صاحب الحقد والعدوان خطأ لا يغتفر

ويقترب من هذه الفكرة ما قاله صائب التبريزي في بيت له يقول فيه :

لا تثق بصلح أهل هذا العالم ولا بحربهم

فإذا سالموك، فكن على أهبة الاستعداد للقتال

إن حضور هذا التراث الأدبي في الخطاب السياسي الإيراني يبين كيف يمكن للأدب أن يتحول إلى لغة للتعبير عن الرؤية الاستراتيجية فالشعر لا يحل محل التحليل السياسي، لكنه يمنح الأفكار أبعادا رمزية وثقافية، ويتيح إيصالها إلى الجمهور ضمن صور مألوفة في الذاكرة الأدبية

وتكشف المقارنة بين سعدي الشيرازي وصائب التبريزي عن استمرار موضوعات سياسية وأخلاقية في الأدب الفارسي، مثل تفضيل السلم من دون إهمال الاستعداد، والحذر من الاطمئنان المطلق إلى تقلبات العلاقات وهذا لا يعني أن الأدب يقدم برنامجا سياسيا جاهزا، بل إنه يوفر مفردات رمزية تساعد على التعبير عن تجارب تاريخية متراكمة.

ومن هنا، فإن الأدب قد يصبح أحد وجوه الدبلوماسية الثقافية؛ إذ تستطيع الأبيات الشعرية أن تحمل رؤية سياسية في صيغة موجزة، وأن تفتح نافذة لفهم الذاكرة التي يستند إليها الخطاب العام وعندما يحضر الشعر في المجال الدبلوماسي، فإن ذلك يكشف عن تداخل الثقافة والسياسة، وعن قدرة التراث على الاستمرار في إنتاج المعاني ضمن سياقات حديثة.

▪️خاتمة :

لا تقرأ السجادة من عقدة واحدة إن العقل السياسي الإيراني حصيلة تفاعل طويل بين الذاكرة الحضارية،والشعور بعدم الأمن، والهوية الدينية، والمصلحة الوطنية، وبنية المؤسسات، وتجارب الصراع والتفاوض ولذلك لا تكفي قراءة تصريح واحد، أو قرار منفرد، أو حدث عابر لفهم اتجاهاته العامة إن استعارة السجادة الفارسية تتيح لنا تصور هذه السياسة بوصفها نسيجا تتداخل خيوطه، وتكتسب عناصره معناها من علاقتها بعضها ببعض فالصبر قد يتصل بالاستعداد، والمرونة قد تتعايش مع الصلابة، والتفاوض قد يجتمع مع الردع، كما يمكن للثوابت المعلنة أن تستمر في الوقت الذي تتغير فيه الأدوات والوسائل.

فالسجادة لا تقرأ من عقدة واحدة، كما أن السياسة لا تفهم من موقف منفرد؛ وإنما يتكشف النسيج حين نرى الخيوط مجتمعة، ونفهم كيف تتفاعل عناصر القوة والهوية والمصلحة في رسم الصورة الكاملة

مقالات قد تعجبك
14 Comments
  1. pishing علق

    Bu konu hakkında bilgi vermeniz çok güzel. Genellikle türkçe içerikler az oluyor fakat böyle güzel içerikler görmek ve okumak çok zevkli.

  2. pishing علق

    Faydalı bilgilerinizi bizlerle paylaştığınız için teşekkür ederim.

  3. lina peker sikiş علق

    Faydalı bilgilerinizi bizlerle paylaştığınız için teşekkür ederim.

  4. porno hd علق

    gerçekten çok yararlı bi konu teşekkürler

  5. lina peker sikiş علق

    aramalarım sonunda buraya geldim ve kesinlikle işime yarayan bir makale oldu. teşekkür ederim

  6. sedat peker sikiş علق

    very informative articles or reviews at this time.

  7. porno hd علق

    çok bilgilendirici bir yazı olmuş ellerinize sağlık teşekkür ederim

  8. lina peker sikiş علق

    gerçekten güzel bir yazı olmuş. Yanlış bildiğimiz bir çok konu varmış. Teşekkürler.

  9. lina peker sikiş علق

    This was beautiful Admin. Thank you for your reflections.

  10. sikiş hd علق

    Güzel aydınlatıcı makale için teşekkürler daha iyisi samda kayısı umarım faydalı çalışmalarınızın devamı gelir.

  11. özge peker sikiş علق

    Hocam detaylı bir anlatım olmuş eline sağlık

  12. trial pistol علق

    Hocam Ellerinize Saglık Güzel Makale Olmuş Detaylı

  13. pishing علق

    Daha önce araştırıp pek Türkçe kaynak bulamadığım sorundu Elinize sağlık eminim arayan çok kişi vardır.

  14. porno hd علق

    Harika bir paylaşım, özellikle konunun önemli detayları oldukça net bir şekilde açıklanmış. İnsanları çeşitli karmaşık anahtar kelimelerle yormak yerine, okumaktan keyif alacağı içerikler her zaman daha iyidir. Kaliteli paylaşım adına teşekkür eder, paylaşımlarınızın devamını sabırsızlıkla beklerim.

اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.