من لينين إلى غورباتشوف || كيف استهلك الحزب مشروع الثورة؟

مقال : زكريا نمر | كاتب ومفكر من جنوب السودان

________________________________________

عندما جاء ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة عام 1985، وجد أمامه نظاما يحتاج إلى إصلاح يتجاوز التغييرات الإدارية المحدودة. حاول تنفيذ إصلاحات اقتصادية وسياسية من خلال البيريسترويكا، المعروفة بإعادة البناء، والغلاسنوست، التي هدفت إلى توسيع الشفافية وحرية النقاش.لكن الإصلاحات واجهت مشكلة أساسية. فقد حاول غورباتشوف تغيير النظام من دون أن يمتلك تصورا متكاملا لكيفية إدارة التحول السياسي والاقتصادي. وفتح المجال أمام النقد، لكنه لم يتمكن من بناء مؤسسات جديدة قادرة على إدارة التنافس السياسي، كما أن الإصلاح الاقتصادي لم يحقق النتائج المطلوبة بالسرعة التي كان ينتظرها المواطنون.ومع اتساع مساحة الحرية، بدأت تظهر ملفات ظلت محجوبة لسنوات، من بينها أخطاء القيادة السوفيتية، وأزمة الاقتصاد، وممارسات الأجهزة الأمنية، والتوترات القومية داخل الجمهوريات المختلفة.

ويتحمل غورباتشوف جزءا من المسؤولية عن طريقة إدارة التحول، خصوصا أن الإصلاحات الاقتصادية والسياسية لم تتحرك ضمن تصور متماسك يضمن الاستقرار المؤسسي. لكن تحميله وحده مسؤولية الانهيار يمثل هروبا من مناقشة العقود التي سبقت وصوله إلى السلطة. فالأزمات التي ظهرت خلال عهده كانت نتيجة تراكمات طويلة، ولم يكن من الممكن معالجتها بمجرد تغيير بعض السياسات.ومن الجوانب التي تكشف ضعف البناء السوفيتي مسألة القوميات. فقد ضم الاتحاد خمس عشرة جمهورية، لكن العلاقة بينها وبين موسكو قامت على مركزية شديدة، ولم تمنح الجمهوريات مساحة كافية لإدارة مصالحها السياسية وفق صيغة اتحادية متوازنة. وعندما تراجعت سلطة المركز، ظهرت المطالب القومية والاستقلالية بقوة.لكن النقد يجب أن يتجاوز القول إن القوميات أسقطت الاتحاد. فالسؤال الأهم هو لماذا فشل النظام في تحويل التنوع القومي إلى أساس لاتحاد سياسي مستقر؟ ولماذا احتاجت الدولة إلى مركز قوي يفرض وحدتها بدلا من مؤسسات اتحادية تحظى بثقة الجمهوريات؟

أما الولايات المتحدة، فقد استفادت من تراجع خصمها الاستراتيجي، ومارست ضغوطا سياسية وعسكرية واقتصادية خلال الحرب الباردة. لكن تفسير انهيار الاتحاد باعتباره مؤامرة أمريكية يتجاهل مسؤولية القيادة السوفيتية عن أزماتها الداخلية. فالقوى الخارجية تستطيع استغلال ضعف الخصوم، لكنها لا تفسر وحدها انهيار نظام سياسي بهذا الحجم.وفي أغسطس 1991، كشف الانقلاب الفاشل الذي نفذه متشددون داخل النظام حجم الانقسام في القيادة. وبعده تعزز موقع بوريس يلتسين، وتسارعت عملية تفكيك الاتحاد، حتى انتهى رسميا في ديسمبر من العام نفسه.لكن نهاية الاتحاد طرحت مسألة أخرى: هل كان انهيار النظام السوفيتي يعني بالضرورة انتصار الديمقراطية والعدالة الاقتصادية؟ التجربة اللاحقة للجمهوريات السوفيتية تقدم إجابة أكثر تعقيدا. فقد عانت دول عديدة من اضطرابات اقتصادية، وظهرت أشكال جديدة من تركيز الثروة والسلطة، واستمرت بعض النخب القديمة في مواقع النفوذ.وهذا يعني أن سقوط نظام سياسي لا يضمن تلقائيا بناء مؤسسات ديمقراطية. فالتغيير الحقيقي يحتاج إلى قواعد جديدة للحكم، واستقلال القضاء، وحرية التنظيم، ومحاسبة المسؤولين، وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. أما الاكتفاء بإزالة القيادة القديمة واستبدالها بقيادات جديدة، فقد يؤدي إلى إعادة إنتاج الممارسات نفسها بأسماء مختلفة.كما أن انهيار الاتحاد السوفيتي لا يمنح الرأسمالية شهادة نجاح مطلقة. فالأزمات المالية، والتفاوت الاقتصادي، وتركز الثروة، والاحتكار، تظل قضايا قائمة في اقتصادات السوق. ومن الخطأ تحويل سقوط تجربة سياسية واقتصادية محددة إلى حكم نهائي على جميع الأفكار الاشتراكية أو اعتبار النموذج الرأسمالي خاليا من التناقضات.

بالنسبة إلى إفريقيا، فإن التجربة السوفيتية تفتح نقاشا حول طبيعة الأحزاب التي قادت حركات التحرر الوطني. فكثير من الحركات التي وصلت إلى السلطة بعد الاستقلال واجهت سؤالا صعبا: هل تستطيع الانتقال من عقلية الحركة الثورية إلى عقلية الدولة والمؤسسات؟ وهل تقبل أن تكون السلطة قابلة للتداول والمحاسبة، أم تعتبر تاريخ النضال مبررا لاحتكار الحكم؟.لقد عانت بعض الدول الإفريقية من الخلط بين الحزب والدولة، وبين القيادة السياسية والمصلحة الوطنية. وتحولت في تجارب مختلفة مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة مراكز النفوذ، بدلا من أن تكون مؤسسات عامة تخضع للقانون وتعمل لصالح المواطنين. إن المشاركة في النضال من أجل التحرر لا تمنح أي حزب أو فرد حقا دائما في الحكم. فالدولة ملك للمواطنين، وليست امتدادا تنظيميا للحركة التي وصلت إلى السلطة. كما أن تاريخ النضال لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإسكات الأجيال الجديدة أو حرمانها من حق المشاركة في صناعة مستقبلها.

إن بناء الدولة يحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقضاء قادر على تطبيق القانون، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة، ونظام سياسي يسمح بالمنافسة والمحاسبة وتداول السلطة. وهذه شروط لا يمكن تعويضها بالخطابات الوطنية أو الشعارات الثورية.الدرس من الاتحاد السوفيتي ليس أن كل دولة مركزية ستنهار، ولا أن كل تجربة اشتراكية محكوم عليها بالفشل. الدرس يتعلق بخطورة احتكار السلطة وإغلاق المجال السياسي وتعطيل الرقابة على المؤسسات. فالدولة التي لا تسمح بمراجعة سياساتها تفقد تدريجيا قدرتها على التعلم من أخطائها.لقد امتلك الاتحاد السوفيتي موارد ضخمة، وحقق إنجازات علمية وعسكرية لا يمكن تجاهلها، لكنه عجز عن معالجة التناقض بين طموحاته الدولية وحاجات مجتمعه، وبين شعارات المساواة وامتيازات النخبة، وبين وحدة الجمهوريات وغياب التوازن في إدارة الاتحاد. إن أخطر ما يمكن أن تتعلمه النخب السياسية من هذه التجربة هو أن بقاء الحزب لا ينبغي أن يكون معيار نجاح الدولة، وأن استمرار القيادة لا يساوي استقرار المجتمع. فالدولة تقاس بقدرتها على حماية حقوق مواطنيها وإدارة مواردها ومؤسساتها، وبمدى استعداد السلطة للخضوع للقانون والمساءلة.إن التاريخ السياسي لا يحاسب الأنظمة على الشعارات التي رفعتها، بل على المؤسسات التي بنتها، والحقوق التي ضمنتها، والواقع الذي تركته خلفها.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.