- سأصير يوماً ما أريد.. سأصير يوماً طائراً، وأسلّ من عدمي وجودي.. كلّما احترق الجناحان اقتربت من الحقيقة، وانبعثت من الرماد.. أنا حوار الحالمين، عزفت عن جسدي وعن نفسي لأكمل رحلتي الأولى إلى المعنى، فأحرقني وغاب.. أنا الغياب.. أنا السماويّ الطريد.
في عالم الأدب العربي الحديث يعد محمود درويش شاعر المقاومة الفلسطينية الأول، فلم يكن مجرد شاعر فلسطيني عابر، بل كان صوتا حمل حكاية الأرض والمنفى والذاكرة، وجعل من الكلمات مساحة تحفظ هوية شعب وتقاوم النسيان. استطاع أن يحوّل الألم إلى شعر، والحنين إلى لغة إنسانية تجاوزت حدود فلسطين لتصل إلى قلوب القراء في مختلف أنحاء العالم.
ارتبط اسم درويش، الشاعر والإنسان بالثورة، والوطن، وكانت له مساهمة كبيرة في مسار الشعر العربي الحديث، حيث حملت قصائده ذات المضمون النضالي حكاية المقاومة الفلسطينية، وكان شعره مصدر تجديد هذه المقاومة واعتزاز الشعب الفلسطيني بحريته، ومقاومته، وانتفاضته.
ولد محمود سليم درويش في 13 آذار عام 1941م في قرية البروة الصغيرة ذات التلال الصخرية والتي تبعد بضعة كيلومترات عن مدينة عكا. وفي عام 1948م اضطر مع عائلته إلى مغادرة قريته إثر النكبة الفلسطينية، لتصبح تجربة الاقتلاع والمنفى حاضرة في وجدانه وفي معظم أعماله الأدبية.
كان متفوقا بدراسته، وقد أبدى اهتماما كبيرا بالأدب، متأثرا باخيه الأكبر احمد، الذي كان يعني بالأدب، وأخيه الثاني زكي الذي كان كاتبا قصصيا، وقد ظهرت في صباه بوادر اهتمامه وتفوقه بالرسم، إلا انه انصرف للشعر مبكرا.
لم يكمل محمود درويش تعليمه الجامعي رغم تفوقه في الثانوية، ولكنه غادر إلى موسكو ليكمل تعليمه هناك، وقد عمل بعد عودته معلما في قرية الجديدة، ومارس العمل الصحفي، فاشتغل في صحف الحزب الشيوعي ومجلة الفجر الأدبية، وقد اصبح محررا لمجلة الكرمل، ومجلة الشؤون الفلسطينية، كما ترأس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
ومنذ بداياته، اتخذ درويش من الشعر وسيلة للتعبير عن الهوية والحرية والحق في الوطن، حتى أصبح واحدا من أبرز شعراء العربية في العصر الحديث، وصوتا أدبيا ارتبط بالقضية الفلسطينية من دون أن تنحصر تجربته في بعدها السياسي وحده.
اشتهر محمود درويش بقصائده الوطنية، وفي مقدمتها “بطاقة هوية”، وقصيدة “سجل أنا عربي” التي ارتبطت بالتعبير عن الهوية الفلسطينية. لكنه تجاوز شعر المقاومة إلى موضوعات الحب والموت والطفولة والذاكرة، فكانت قصائده تجمع بين التجربة الشخصية والحكاية الجماعية.
في عالمه الشعري، لم يكن الوطن مجرد أرض جغرافية، بل كان بيتا ووجوها وذكريات وأشجار زيتون. استطاع أن يمنح التفاصيل اليومية معاني عميقة، وأن يجعل من تجربة الفلسطيني في المنفى حكاية إنسانية يفهمها كل من عرف الفقد والحنين.
ينتمي محمود درويش إلى شعراء جيل الخمسينيات، الذين اظهروا اهتماماً بموسيقى القصيدة، واتخذوا من الفلسفة الجمالية منهجا لشعرهم، فقد ظهرت في أشعار درويش مواطن تلامس الفن والحياة معا، ومحتويات الطابع العصري.
ذهب شعر محمود درويش كشعراء جيله، في جوانب مختلفة، منها السياسي، الاجتماعي، والثقافي، إلا ان فلسطين وقضيتها بقيت الأداة الأساسية للتعبير عن قريحة الشاعر.
كانت بداياته الشعرية مصحوبة بالبساطة في التعبير والمضامين، وقد اظهر تأثرا بشعراء عرب كلاسيكيين، ثم أخذت أشعاره تميل للرقة، والنضوج الفني، متأثرا بالحركة الرومانسية، وصولا إلى ذروته الأدبية، في آخر سنوات حياته.
فمن أبرز أعمال محمود درويش «أوراق الزيتون» و«عاشق من فلسطين» و«لماذا تركت الحصان وحيدا» و«جدارية». كما كتب «ذاكرة للنسيان»، وهو نص نثري يستعيد فيه أجواء حصار بيروت عام 1982. وتكشف هذه الأعمال عن تطور تجربته الشعرية، من التعبير الوطني المباشر إلى التأمل الفلسفي في الحياة والموت والوجود، مع حفاظه على لغته الخاصة وصوره الشعرية المميزة.
كان محمود درويش منشغلا بالقراءة والكتابة جلّ وقته، وهو يتحدث العبرية والإنجليزية والفرنسية، يحب سماع الموسيقى الكلاسيكية لكبار الموسيقيين مثل بيتهوفن وتشايكوفسكي، وغالبا ما يسمع الموسيقى أثناء الكتابة، كان يحب سماع عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، ويتابع المسلسلات التاريخية، أما تسليته فكانت في لعب النرد.
في التاسع من آب عام 2008، توفي محمود درويش في مدينة هيوستن الأمريكية، إثر مضاعفات أعقبت عملية جراحية في القلب، عن عمر ناهز سبعة وستين عاما. وشُيّع جثمانه في رام الله وسط حضور جماهيري كبير :
لم ينتهي حضوره برحيله، فقد بقيت قصائده حاضرة في الثقافة العربية، وترجمت أعماله إلى لغات عديدة. ولم تكن أهميته في كونه شاعرا فلسطينيا فحسب، بل في قدرته على تحويل التجربة الفلسطينية إلى أدب إنساني يتناول الحرية والكرامة والحب والذاكرة.
بقي محمود درويش واحدا من أبرز الأصوات التي منحت الشعر العربي الحديث أفقا إنسانيا واسعا. كتب عن وطنه، لكنه كتب أيضا عن الإنسان حين يفقد بيته، وعن الذاكرة حين تقاوم النسيان، وعن الأمل حين يصبح التمسك به شكلا من أشكال الحياة.
كافح محمود درويش الشاعر والإنسان الذي لم يشغله شيء عن حب بلده عدو وطنه، منذ صباه حتى رحيله، ولم يفقد يوما الأمل والحماس في سبيل الحرية، وقد اعتقل عدة مرات، ولم يكن ثمة سلاح يحمله غير الشعر، سلاح ظل يصهل حتى بعد رحيله.
لقد رحل الشاعر، لكن قصائده بقيت شاهدة على أن الكلمات تستطيع أن تحفظ الحكايات من الضياع، وأن تمنح الوطن حضورا لا تحده المسافات، ولا ينهيه الغياب :
- سنرحل يوما دون أن نستأذن
ونترك خلف الباب ألف سؤال
فيا ليتنا عشنا الحياة بمحبة
فما العمر إلا عابر وظلال
- نمضي وتبقى في الطريق حكاية
وتظل فينا للغياب بقايا
بعض الوجوه وإن توارت لحظة
تبقى بذاكرة القلوب مرايا
- سيأتي الموت دون أن يطرق الباب
وسيأخذ من أعمارنا ما تبقى
لن يسألنا إن أكملنا الحكايات
أو إن كان في القلب كلام لم يقال
فلا تؤجلوا الحب إلى غد
فربما لا يأتي الغد أبدا
- أحبك لا لأنك جئت يوما
ولكن لأنك في الفؤاد أقمت
فما عادت الأماكن تستويني
إذا عن عينيك يوما ابتعدت
- نحن الذين تركنا خلفنا أثرا
ومضينا نبحث عن وجوه تشبهنا
لم يكن الرحيل اختيارا دائما
لكن بعض الطرق لا تعود كما كانت
وبعض الذين أحببناهم كثيرا
يبقون فينا أكثر مما كانوا معنا
- يا وطني، كم مرة حملتك في دمي
وكم مرة حملتني بعيدا عنك
أمشي على أرضك غريبا
وأحمل في صدري ألف مدينة
فكيف يضيع الإنسان في وطنه
وكل ما فيه يشبه طفولته
- نسيمك عنبر
ارضك سكر
وقلبك اخضر
واني طفل هواك
على حضنك الحلو
أنمو وأكبر
- شدوا وثاقي
وامنعوا على الدفاتر والسجائر
وضعوا التراب على فمي
فالشعر دم القلب
ملح الخبز
هل في وسعي أن أختار أحلامي،
لئلّا أحلم بما لا يتحقّق.
- ذهبَ الذينَ تُحبهم ذهبوا،
وكأنَ شيئًا لم يكُنْ وها أنا وحدي ملء هذا الكون.
- أمّا أنا، فسأدخل في شجر التوت
حيث تحوّلني دودة القزّ خيط حرير،
فأدخل في إبرة امرأة من نساء الأساطير،
ثمّ أطير كشالٍ مع الريح.
- كنت سأشتري لكِ البنفسج هذا الصباح،
لكنّ الرّفاق كانوا جياعًا فاشتريت لهم خبزًا
وكتبتُ لكِ قصيدةَ حب.
- سجّل أنا عربي أنا اسم بلا لقب يعيش بفورة الغضب، جذوري قبل ميلاد الزمان رست، وقبل تفتح الحقب. سجل أنا عربي أنا من هناك ولي ذكريات ولدت كما تولد الناس، لي والدة و بيت كثير النوافذ، لي إخوة أصدقاء وسجنٌ بنافذةٍ باردة، ولي موجة خطفتها النوارس، لي مشهدي الخاص، لي عشبة زائدة ولي قمر في أقاصي الكلام ، ورزق الطيور ، وزيتونة خالدة مررت على الأرض قبل مرور السيوف على جسدٍ حوّلوه إلى مائدة .
