منذ أيام والوسط الثقافي منشغل بزوبعة “دار الكا” والكتب الملفقة التي أنتجتها، وكأن القوم اكتشفوا لتوّهم مخالفات القانون والفساد المهني! لقد استنفر الجميع طاقاتهم وكالوا الاتهامات كما يقول المثل الشعبي العراقي (ذبّوا لحم)، فما الذي أثار فيهم هذه الحمية؟ وما الذي دفعهم لإهالة كل هذا النقد على كتب طُبعت بلا أصل؟
رغم أن كتبنا القديمة -المقدسة منها وغير المقدسة- تكاد تفتقر إلى الأصول لأسباب يطول شرحها؛ لعل أبرزها موقعنا في قلب صراعات العالم، ودخول دولتنا مراراً في “معدة الوحش” (المحتل)، مما أدى لضياع التواريخ والمخطوطات التي طُمرت أو حُرقت أو رُحلت لمكتبات الغرب. ولأن الافتقاد للأصل ليس جديداً على أهل العراق، فإن هذا السلوك المبالغ فيه إزاء كتب “بلا أصل” يثير الشبهات، رغم إدراكنا أن ردات فعل العراقيين العنيفة تجاه الأمور الطارئة ليست غريبة، بل هي ممارسة متكررة تحركها أمزجة متأرجحة في مناخ سياسي واجتماعي لا يستقر أبداً.
لست هنا بصدد الدفاع عن علي بدر، ولا الطعن في صادق الطائي، فكلاهما صديقان أعتز بهما، بصرف النظر عن طبيعة خلافهما الذي استند -كما يقول علي بدر- إلى “خطأ تقني إجرائي” لم تتضح معالمه كاملة بعد. هذا الخلاف تجلى في مقال الطائي الذي كان أشبه برسالة تحذيرية للجمهور حول كتب أُعدت عبر الذكاء الاصطناعي أو كُتبت بشكل ملفق، فكانت بمثابة خطاب لعلي بدر وللقراء بوصفهم مستهلكين لهذه البضاعة.
بدايةً، يجب القول إن معظم دور النشر داخل العراق -إن لم تكن كلها- هي دور “ملفقة” لا تمت بصلة لمفهوم النشر الحقيقي الذي يعمل وفق أسس دولية رصينة؛ فهي مجرد “أكشاك ثقافية” لا ترتقي حتى لمستوى الدكاكين. يتعامل أصحابها مع الكاتب بمنطق “البقال”: ادفع وخذ بضاعتك، دون اعتبار للمنشأ أو الجودة.
لقد خفت الضجيج الآن، واختفى موضوع علي بدر، وأُغلقت “دار الكا”، وأصبحت تلك المخالفة -التي رُفعت لمستوى الجريمة- جزءاً من الماضي، وصار الحديث عنها يمر همساً بعد أن كان صاخباً ومنفلتاً. ابتلع موضوع “الكلاب السائبة” موضوع “الكا”؛ تغير العنوان وبقيت الثيمة ذاتها. لقد اعتاد المثقف العراقي الانشغال بالقشور وتوافه الأمور، متجاهلاً القضايا التي تمس صلب حياة الإنسان وتدمرها. هو يدرك تماماً أنه لا يوجد في العراق “دور نشر” فعلية، ولا “كتب” تطبع وفق دورة حياة الكتاب الحقيقية.
في بلدنا المنهوب، يأخذ صاحب الدار مبلغاً من المؤلف سواء كان الكتاب مؤلفاً أو مترجماً، ثم يرمي الكتاب في حضن صاحبه ليواجه مصيره وحده، بلا مخازن، ولا توزيع، ولا ترويج. يوهَم الكاتب بطباعة ألف نسخة، والحقيقة خلاف ذلك، وقد يُقال له إن النسخ “نفدت” وهي لم تُطبع أصلاً! فلماذا إذن “البطش” بدار الكا تحديداً، وهي في الحقيقة مجرد وسيط بين الدار والدكان؟
الجواب بسيط: إنها العلاقات الشخصية المتشنجة والمواقف “القبلية” بين الشخوص، لا القضايا المبدئية. المشكلة ليست مع “دار الكا” بل مع صاحبها وخصومه؛ لأن ظاهرة “الدور الملفقة” في العراق كظاهرة الكلاب السائبة.. حدث ولا حرج! بل إن جلّ كتبنا اليوم ملفقة، بلا حقوق، ومترجمة عبر “غوغل” والذكاء الاصطناعي.
قرأت ما كتبه شوقي عبد الأمير ونجم والي، وكلاهما -بصراحة- تحركهما مآرب أخرى وخلافات طفت على السطح.
الأول، بدلاً من إدانة دولته التي تنهب أموال الفقراء، راح يتهم رجلاً ربما يكون ضحية نصب. والثاني اتهمه بالعمالة، رغم أنه قدم نفسه سابقاً في كتاب كامل كمتطوع في هذا السياق!
ولا يفوتني الحديث عن “الصغار” الذين شاركوا في هذه المجزرة الكلامية؛ هؤلاء الذين لم يخرجوا يوماً للدفاع عن حقوقهم المسروقة، ولا عن ثروات البلاد المنهوبة، ولا عن المشاريع التي فرضها المحتل الذي يدار عبر السفارات. لم يتحدث أحد من المعترضين على “جريمة علي بدر” عن سرقة الواجهة البحرية للعراق، ولا عن صمت الدولة بحجة المقررات الدولية، ولم يطالبوا بتوطين الصناعة أو الالتحاق بطريق الحرير، أو إنهاء أزمة الكهرباء والسرطانات التي تنشرها المولدات منذ ربع قرن.
أليس من المهزلة أن ترتفع الأصوات لمجرد كتاب زُوّر في دار نشر مجهولة، بينما أمريكا تحتجز أموال البلاد وتفرض وصايتها، وتركيا تخنقنا بحبس المياه وتحتل أجزاء من الموصل؟ لقد مُنح العراق لمستثمرين لصوص، بينما المثقفون “يغضون الطرف” عن الجمل ويتمسكون ببرذعته!
إن دور النشر الوهمية هزت ضمائر المثقفين العراقيين، ولم تهزهم كل كوارث البلاد.. يا سادتي، لنؤسس أولاً دور نشر حقيقية، ثم لنتحدث بعد ذلك عن الوهم وما يتبعه.
