في الإضاءة الخلفية : النهار || قصائد الشاعر الفرنسي فيليب تاسلان

ترجمة وتقديم : نصرالدين بوشقيف

1 – عن أيّ دَيْنٍ

 

للتاريخ

يدّعي الإنسان أنه يبرئ ذمّته

بفاتورة يومية

من تبرئة ذاته؟

 

للنحّات أن ينحت الحجر

وهو يُدرّب يده

على ما تُشكّله

 

للوحش أن يطأ الأرض والبحر

في تناغمٍ معهما

ليختار مقامه

 

للزهرة أن تبارك نظرك

الذي لن يكسرها

لتعطير بريقها

 

حلمٌ داخل الحلم

يواصل التعرّض للجراح

حيث نتظاهر

بطفولة الأشياء

 

للقريب ألّا يعود يتجاهل

تاريخًا يكذب على نفسه

من فرط ما راكم

من دون عبور

 

 

 

2 – رغم الإملاءات

 

التي تتداول فيما بينها

لم يعد السادة، هذا المساء، يحكمون

لقد وُضعوا في العزلة

 

لقد أقام البشر مشاعًا

حرًّا بالجرأة

يحاصر أساطيرهم

 

من فكرهم الرحّال

يرفعون كلّ كلمة

إلى أقصى درجات الوضوح

في استعمالها

 

من خطوط ليلٍ تتشكّل

تنهض إضاءة سرّية

تنطق لغة الفواصل

التي تفصح عن معنى عالمٍ آخر هو

حيث تحصد الجموع أثير الحضور

ويطلّ أبطال الملاحم

مطلّقين الآلهة

في التيه

 

3 – متمرّسة على عمل الرعب

 

العجز الذي يريد القهر

أن يُبقينا فيه

يستبق

تصدّع قبضاتنا المشدودة

نهاية عالمٍ بينهم

 

أنتم تجهلون كثافة الإلهام

التي يوزّعها فعلُ أخٍ لأخ

قصيدته في الحضور الوفيّ

الذي يُخفي تحدّيه للمصادفة

 

السماء تطاردنا من الصباح إلى الغروب

وتنفض نفسها عبر آفاق الفرار

 

الورود تنشر بتلاتها الرؤيوية

كما تمضي المعانقة ببطء

نحو حصادها من الصواعق

 

يُسمع صقل الحجر

حتى المرآة الداخلة في النبوءة

فيما على راياتنا

يُكتب (يُكتَب) بلا آلهة

أنّ الموت ينقص

جميع موتانا

 

النسيان يبعثر صورتهم

ويتسرّب إلى اسم كلّ واحد

حتى قمم عودته

 

جسدًا لجسدٍ

بين الحلم وانكساره

يعود، بفكرة واحدة،

نشيد العود المنقوش في البلاد

 

نحن لا نسلّم الأمل

لسراب مجيئه

 

اليمامة لطيرانها

بين حظر التجوّل

المنكسر

 

القمر لصفاءاته السحيقة

البحر لتياراته المتنافرة

 

نقيم في مسكن الجذور

نعانق الضيف السماوي

 

نقتطع من اللاتناهي

أساسَ طفولةٍ أخرى للعالم

حيث يحمل النَّفَس آثار ارتفاعات غير متوقّعة

حين يلتقي الحبّ

المجرَّد من ملاجئه

بما لا يَفسد

من دون عيونٍ تُغلقه

 

4 – اللامبالون

 

لم يروا الحرب تتوقّف

أمام شجرتهم

 

حسبوها تواصل

عبر كلّ فروعها الجوفية

مشهد الغابة الخلفي

بينما كانت الفروع الهوائية

تُغطّى بالأسلاك الشائكة

التي أخذوها براعم

 

كانت عيونهم تستكشف

تيههم الخاص

من الجذور إلى القمم

 

عندما ارتفع الضوء على السلام

اكتشفوا الحرب

توقيعها في ظلّ

الشجرة التي دمّرها صاروخ

 

لمسوا بأيديهم

هجرة لغز الدم

المسكوب على الرماد

 

استنجدوا بالذاكرة

وهم يفكّرون في العودة

يومَ تاريخٍ حقيقي

لشجرتهم الناجية

في حديقةٍ يقظةٍ باللذّات…

 

لكن اليمامة اختفت

في الضباب

وضلّ البلد في متاهة

الخِيانات

 

الحرب اللامبالية

ستكون قد ربحت الغرفة

 

5 – القسوة لا تنقص أحدًا

 

دخلوا الليل

ليقطعوا آخر رباطٍ بالنهار

حتى اقتلاع الحداد من سرّه

 

أفعالهم فتحت مواربًا

ما لا يُنطق

بين الهاويات

 

دنّسوا حتى الدوار

نظرة الموتى المهجورة

 

من أنقاضٍ تحت الأنقاض

كسروا العتبات الحميمية

للاختفاء

 

دنّسوا الأمل

حتى في ظلّ

سماواتٍ تحت عيونٍ مغمضة

 

في قلب الضجيج المتواصل

لإطلاق النار عن قرب

على حلم فعلٍ آخر

ويدٍ أخرى

 

دفعوا بتحويل الله إلى العدم

وجعلوا تخلّي جسد العالم

يدوّي في جسد الإنسان

 

ضربوا

يضربون

وسيواصلون الضرب

كأنهم، أمام التاريخ،

لا يملكون سوى ليلهم

المكشوف على عتمته

 

صفحة الكتاب

تدور على نفسها

تحت قلمٍ يابس

لآلهةٍ تفرّ من غير القابل للاعتراف

 

ماذا تتعلّم الوعيّة

من العادل الذي تذبحه

على مذبح عطلاتها؟

 

لماذا لا يواجه الجرأة

حضورٌ يحتضن

صرخة الأراضي الداخلية؟

 

أيّ لا-وجهٍ للإنسان

يبقى في الانعكاس

الذي لا يرحم للروح؟

 

ما هذا الزمن

زمن البشر

الذين يعبرون صامتين

درب الموتى

ولا يباركون سوى الرماد

أمام نظرة طفلٍ لا تُحتمل

في حَرَمه الأبدي؟

 

ماذا بقي من السماوات؟

طوفٌ بلا بحر

وطريقٌ حرّ بلا مدخل؟

 

بينما هناك الآن

في دموعٍ بلا نواح

وجهٌ مدمَّر

بلا سِمةِ ضحية

يقفون بشجاعة

على الأنقاض

مكتملين في الضيق

 

يعود الزمن ليخفق

لجناح طائرٍ

على الشجرة المتفحّمة

لرائحة ياسمينٍ متصاعدة…

من الموتى

 

كأنّ سفينة شكّ

تبلغ لانهائية أشكالها

تتمايل الوعيّة

 

كما يتسلّق النارُ الهاوية

تتقدّم الدموع

 

كما تعضّ النجاسة المرئي

تكتب الأرق

ذُرى الزمن

 

كما صمتٌ عميق

يهيم بين الضوء والشك

يتأرجح الأفق

 

كما نفاد صبرٍ

مرفوع عن عتباته

يحرّر الزمن

ينهض الصيرورة

 

هذه الليلة

 

حال الراعي

كحال نجمة

أوقفها الدم

 

على امتداد درب التبانة

يشفّ جدار الرعب

ليومٍ موعودٍ دائمًا لغيره

 

عندما لا يكون الفجر

سوى جرحٍ

بلا نداء

يقنع الظلامُ الضوء

أن ينهض

بين السرّيّين

 

 

 

6 – السلام… أيُّ سلام؟

 

في ساعة النوافذ المفتوحة على مصراعيها

على مذبحة الشعوب التي لا تنتهي

تحمل كلّ كلمة خدش الصمت

المسنود إلى أعتى نظرة بشرية

 

السلام… السلام… نعم السلام

حين منذ أشهر

يلتهم حريق الكراهية

كلّ وقفٍ لإطلاق النار

 

السلام… السلام…

لكن تحت أيّ صفاء ليل

نحمل رسم حروفه

الموسومة بشبح الممكن؟

 

أرى يسيل من شجرة الليمون

نسغٌ-دموعٌ من دم

 

أيّ لفظ

لهذا اليوم

الممزّق الممزِّق غير القابل للتسمية

بين خراب الحكايات عن الزمن

يمكنه أن يقترب من الشفاه

لينحت ساحة صلاة؟

 

يا ناقلي الماء

على لسان الصفاءات الأولى

نبحث عن المسلك

الذي لا تخرج منه الحرب حيّة

 

بأيّ صرخة

بين ليالي اللفظ

نشقّ كلمة الزيف

في كتاباتٍ سابقة؟

 

كيف

من نَفَس القبور

نضمّد جراح المعنى؟

 

من، تحت فجرٍ مكسور

هائمٍ من طرف إلى طرف

سيقطف ذكرى الدموع للفرح؟

 

من اللامراد

أكثر مما أُريد

يُنتزع السلام

من فوضى أصوات النداء

يندفع نحو حراثة أخرى للسماء

يفتح حلقات السلاسل

التي تكبّل العلامات

في فسحة الأشياء

 

السلام… السلام…

نعم السلام

ابتداءً ضدّ الحرب هنا

على جميع جبهات الإعلام

التي تكمّم حارس الحضور

 

________________________________

*شاعر وفيلسوف ومدير المركز العالمي للابداع للفضاء الشعري في باريس.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.