عيد النوروز في إيران : عناق الربيع، وميعاد مع الشمس والنار، وأحتفاء أبدي بالحياة
تقرير خاص أعدته أسرة تحرير منصة مدار24
يُعتبر عيد النوروز / Nowruz الحدث الأبرز والأكثر عمقاً في الوجدان الإيراني، فهو ليس بعيداً قومياً، أو مجرد بداية لسنة تقويمية جديدة، بل هو إعلان صريح عن انتصار الضوء على الظلمة، والحياة على الموت، والربيع على الشتاء.
وللنوروز أهمية بالغة في الثقافة الإيرانية، وتأثير كبير على الأجيال بمختلف أنتماءاتهم، وتوجهاتهم، ولم يختلف تأثيره أو يضمحل رغم ما مر به المجتمع الإيراني من تحولات، وضروف صعبة في فترات مختلفة.
ويعتبر هذا اليوم أيضًا أحد الأيام المقدسة والأعياد الدينية لدى الزرادشتيين والبهائيين، فإلى جانب إيران، تحتفل العديد من الشعوب بهذا العيد كالهند وباكستان وكازخستان وقرغيستان وطاجكستان وأذربيجان وتركمنستان، ودول ألبانيا ومقدونيا وجورجيا بأوروبا ويشمل قوميات الأكراد فى كل من العراق وتركيا وجنوب القوقاز والقرم ومنطقة البلقان وكشمير وكوجارات وشمال غرب الصين.

▪️الجذور التاريخية لولادة الشمس :
كلمة “نوروز” تعني باللغة الفارسية “اليوم الجديد”، ويصادف هذا العيد “الاعتدال الربيعي” (غالباً في 20 أو 21 مارس)، وهي اللحظة التي تتساوى فيها ساعات الليل والنهار. وبالنسبة للإيرانيين، النوروز هو طقس لاستقبال الحياة بقلب مفتوح وبيوت نظيفة، يمتد بجذوره إلى أكثر من 3000 عام.
يرتبط النوروز في الأساطير الإيرانية القديمة، خاصة في ملحمة “الشاهنامه” للفردوسي، بالملك الأسطوري جمشيد، ويُقال إنه جلس على عرشه المرصع بالجواهر في هذا اليوم، ورفعه الجن إلى السماء، فسطع نور العرش كأنه شمس ثانية، ومن هنا سمي ب “اليوم الجديد”.
تاريخياً، كان الملوك الأخمينيين والساسانيين يحتفلون به في “تخت جمشيد” (برسبوليس)، حيث كانت الوفود تأتي من كل أصقاع الإمبراطورية الفارسية لتقديم الهدايا والولاء في احتفال مهيب يعكس وحدة الشعوب تحت راية الربيع.

▪️طقوس الاستعداد، تنظيف الروح والمكان :
عادةً، تبدأ الاحتفالات بهذا العيد قبل أسابيع من موعد العيد عبر تقاليد راسخة، ويمكن الأحاطة بهذه الطقوس بشكل مختصر :
– تنظيف البيت (خانه تكانى) : يقوم الإيرانيون بتنظيف شامل لكل زاوية في منازلهم، وغسل السجاد، وطلاء الجدران، تعبيراً عن التخلص من غبار العام الماضي وأحزانه.
– زراعة الخضرة (سبزه) : قبل أسبوعين، تُزرع بذور القمح أو العدس في أوانٍ صغيرة لتنمو وتصبح خضراء يانعة، ترمز لتجدد الحياة، ليتم تقديمها في طاولة الطقوس.
– الأربعاء الأحمر (چهارشنبه سورى) : في ليلة الأربعاء الأخير من السنة، والتي عادةً تسبق أيام العيد بأسبوع، يُشعل الناس النيران ويقفزون فوقها قائلين : “زردى من از تو، سرخى تو از من / صُفرتي ومرضي لك، وحمرتك وحيويتك لي”.
– شراء سمك الزينة الأحمر، والذي يعبر عن الحيوية.

▪️مائدة السينات السبع :
تعد مائدة السينات السبع (هفت سين) قلب النوروز النابض، حيث لا يكتمل النوروز دون مائدة “هفت سين”، وهي مائدة تضم سبعة أشياء تبدأ بحرف السين في اللغة الفارسية، ولكل منها رمزية فلسفية، ويبدأ الإيرانيون الأستعداد لها بجدية وجهد.
العناصر السبعة حسب موروثات الثقافة الفارسية هي كالتالي :
– الخضرة (سبزه) : ترمز لتجدد الطبيعة والحياة.
-حلوى القمح (سمنو) : ترمز إلى القوة والبركة.
-التمر (سنجد) : يرمز للحب والحكمة.
– الثوم (سير) : يرمز للصحة والعافية.
– التفاح (سيب) : يرمز إلى الجمال والقناعة.
– بهارات (سماق) : وهو لون الشروق وطعم الحياة.
– الخل (سركه) : ويرمز إلى الصبر والخلود.
وإلى جانب ذلك يضعون البيض الملون الذي يشير للخصوبة، والمرآة التي تعبر عن الصدق.
▪️ديوان حافظ الشيرازي والمصحف :
وكإضافات تقليدية، يوضع الإيرانيون أيضاً على المائدة “ديوان حافظ الشيرازي”، الشاعر الفارسي الذي يلقب ب”لسان الغيب”، وذلك لقراءة أشعاره (فأل حافظ) لاستشراف الطالع وبدء العام الجديد بالأمل والتفاؤل، حيث تمثل قصائده، المليئة بروح الربيع والتجدد، تلازماً ثقافياً وروحياً مع بداية الربيع.
وبعد الفتح الإسلامي لبلاد فارس، اضافوا المصحف إلى المائدة، حيث يوضع طلباً للبركة والتوفيق، وسعة الرزق في العام الجديد، وغالباً ما يوضع المصحف في مكان بارز، وقد يتم وضع قطع نقدية بين صفحاته لتوزيعها على أفراد العائلة تبركاً.

▪️شخصيات النوروز :
ثمة شخصيات أسطورية، وهي من الموروثات الإيرانية القديمة التي ترسخت في طقوس النوروز مثل :
– عمو نوروز : حيث يظهر في الشوارع الإيرانية شخصية شهيرة، هي “عمو نوروز” وهو عجوز ذو لحية بيضاء يقوم بتوزيع الهدايا (يشبه بابا نويل لكن برمزية ربيعية).
– حاجي فيروز : وهو مساعد عمو نوروز ذو الوجه المصبوغ باللون الأسود والملابس الحمراء، الذي يضرب على الدف ويغني أغانٍ مبهجة لزرع الابتسامة.
▪️ الوداع في حضن الطبيعة
تستمر عطلة النوروز حسب التقويم الفارسي الشمسي 13 يوماً، وفي اليوم الثالث عشر الذي يسمى (سيزده بدر)، يخرج الإيرانيون جماعات، وعوائل إلى المنتزهات والغابات والجبال.
يؤمن التقليد القديم بضرورة مغادرة المنازل لتفادي “نحس” الرقم 13، حيث يقضون ذلك اليوم بعيدا عن المنزل في الطهي واللعب، وفي النهاية يرمون الخضرة “سبزه” في مياه جارية، لتعود الحياة إلى الطبيعة الأم.
▪️ جسر بين الماضي والحاضر
عيد النوروز هو احتفال قديم وعريق للعديد من الأقوام الماضية، لكنه في الغالب ينتسب إلى ايران ويشار إليه كرمز لتعزيز العلاقات الودية والوطنية بين الاقوام الايرانية المختلفة.
وقد تم تسجيل النوروز، الذي يحمل العنوان الرسمي “يوم النيروز العالمي” ، كتراث ثقافي وروحي للبشرية من قبل اليونسكو.
رغم تعاقب الأنظمة وتغير العصور، ظل النوروز صامداً كأقوى رابط ثقافي يجمع الإيرانيين بمختلف أعراقهم (فرس، آذريون، أكراد، لر، عرب، بلوش). إنه العيد الذي يتصالح فيه المتخاصمون، وتجتمع فيه العوائل حول المائدة في لحظة تحويل السنة (تحويل سال) لتبادل الهدايا “العيدية” والدعوات بالأمن والرخاء.
