نقف عند الألماني “بول هايسة” بوصفه شاعراً، ولكن لا نتجاهل أهميته ككاتب مسرحي وروائي ألماني، فهو من مجموعة ما يسمون بشعراء الفجر المشرق، والأدباء المقربين من السلطة، ورغم أهميته كشاعر إلا أن شهرته كروائي طغت على ذلك.
نال بول هايسة جائزة نوبل في الأدب عام 1910م وكان أول شاعر ألماني ينال الجائزة، وكان يُعد من أكثر الكتاب الألمان إنتاجاً في القرن التاسع عشر، حيث يفرض اسمه بهيمنة في المشهد الأدبي الألماني، وباعتباره شخصية استثنائية حظيت بتقدير واسع، وقيل عنه إنه لم تشهد ألمانيا عبقرية أدبية أعظم منه منذ غوته.
بول هسة أو هايسة، واسمه الكامل بالالمانية “باول يوهان لودفيگ هايزه” paul Heyse، ولد في برلين عام 1830م، لعائلة ثرية تملك بنوكا في برلين، من أصول يهودية، كان والده أحد أغنياء ألمانيا، وكانت والدته من أصول شرقية، وعرفت عائلته الفن والأدب على نحو جيد، فكان منها الشاعر ايشتندورف، والمؤرخ فرانز كوجلر وغيرهم.
عاش بول هايسة طفولته في عالم موسيقي وجو مشحون بالثقافة والفنون، درس التاريخ الروماني، واللغتين اليونانية واللاتينية، وحصل على منحة لدراسة الدكتوراه في الآداب، وعند رحلته لإيطاليا تعرف وألتقى بعدد من الشعراء الأدباء هناك من ضمنهم جاكوب بوركهارت الذي لقنه السياسة والفنون والآداب قبل عودته لبلاده.
استقر بول هايسة في ميونخ، حيث عينه الملك الألماني مكسميليان مستشارا ثقافياً له، مع انخراطه للعمل مدرسا للآداب، وبمسيرته الأدبية اشتهر بأسلوبه الفني الراقي والمثالي، وباعتباره استمرارا للكلاسيكية الأدبية اليونانية والالمانية على حد سواء.
أسس بول هايسة جماعة أدبية حملت اسم “جماعة التمساح” مع الشاعر إيمانويل جيبيل، ثم أسس مدرسة أدبية حملت أسم “مدينة ميونخ”، ثم أنه أنظم لجماعة “شعراء الفجر المشرق” الذين جمعهم الملك الألماني مكسميليان.
بدأ بول هايسة حياته الأدبية كشاعر وقاص، وبرز كواحد من رواد القصة القصيرة الحديثة في أوروبا، حيث كتب ما يقارب 177 قصة قصيرة، ومسرحيا حيث ترك حوالي 60 مسرحية، بالإضافة إلى الروايات والقصائد الغنائية.
ففي عام 1850م قرَّر بول هايسة وبشكل نهائي أن يكون شاعراً، ورسم حياته وفق هذه الأساس، وقام مشروعه الشِّعري على الأغنية، فقد اعتبر الأغنية الشِّعرية أفضل وسيلة لتمرير الأفكار، والوصول إلى الجماهير، حتى أن حصوله على الدكتوراه كان في شِعر الشعراء المتجوِّلين، بعد منحة دراسية من الدولة الألمانية.
نُشر لبول هايسة في حياته خلال مسيرته الأدبية الطويلة نحو ثمان روايات ضخمة، وأربعين مسرحية، وأكثر من مئة وخمسين قصة قصيرة، فضلا عن أغان باللغة الإيطالية، والإسبانية، والألمانية، وذلك بالأضافة إلى قصائده الشعرية.
وبالإضافة إلى ذلك عرف عن بول هايسة انخراطه في الترجمة، حيث ساهم بالتعريف بالادب الإيطالي، من خلال إنجازه العديد من الترجمات للغة الألمانية من اللغات الإسبانية والإيطالية والإنكليزية على صعيد الشعر والأدب.
حظي هايسة في مسيرته بحفاوة كبيرة من أبناء جيله وتقديراً من معاصريه سيما في مجال القصة الطويلة والرواية، أما في سنوات حياته الأخيرة فقد اتخذ موقفاً معادياً من الحركة الطبيعية الألمانية ومن مؤيدي فلسفة نيتشه.
توفي بول هايسة في ميونخ عام 1914 في الثاني من أبريل بعد إصابته بمرض ذات الرئة، قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب العالمية الأولى، ولا تزال المحافل الأدبية في ألمانيا والعالم تحتفي به وتذكر بروايته “أطفال العالم” ومسرحيته “كرلبرغ” وقصصه “القنطورس الأخير” وديوانه “قصائد”.
