ثمة شعراء يكتبون عن أوطانهم، وشعراء آخرين يصبح الوطن هو الذي يتحدث من خلال قصائدهم؛ فكان الشاعر العراقي سعدي يوسف واحداً من هؤلاء. شاعرٌ لم يفارق العراق قلبه، حتى وهو يقطع آلاف الكيلومترات في المنافي. ظل يحمل البصرة في ذاكرته، ودجلة في لغته، ونخيل الجنوب في صوره الشعرية، حتى أصبح أحد أهم الأصوات الشعرية العربية في القرن العشرين، وواحداً من أكثر الشعراء العراقيين تأثيراً في الأدب الحديث.
ولد سعدي يوسف في قرية أبو الخصيب بمحافظة البصرة عام 1934م، وسط بيئة زراعية غنية بالنخيل والأنهار، وهي البيئة التي تركت بصمتها الواضحة في شعره. درس الأدب العربي في جامعة بغداد، وعمل في مجال التعليم والصحافة والثقافة، قبل أن تبدأ رحلته الطويلة في الترحال بين الجزائر واليمن وسوريا ولبنان وقبرص وفرنسا وبريطانيا وغيرها من البلدان، ليصبح المنفى جزءاً من حياته، وجزءاً من قصيدته.
لم يكن سعدي يوسف شاعراً تقليدياً، بل كان أحد أبرز رواد قصيدة التفعيلة العربية، وامتاز بلغته البسيطة والعميقة في آنٍ واحد، مبتعداً عن الزخرفة اللفظية، ومقترباً من الإنسان وهمومه اليومية. كانت قصائده تمزج بين الحب والسياسة والحنين والمنفى، ولذلك وجد فيها القارئ العربي مرآةً لتجاربه الشخصية.
▪️ دواوين صنعت مكانته الأدبية
على امتداد أكثر من ستة عقود، ترك سعدي يوسف ما يزيد على الأربعين ديواناً شعرياً، كان من أبرزها:
* القرصان (1952)
* أغنيات ليست للآخرين (1955)
* 51 قصيدة (1971)
* الأخضر بن يوسف ومشاغله (1972)
* نهايات الشمال الأفريقي (1979)
* الساعة الأخيرة (1984)
* جنة المنسيات
* يوميات الجنوب
* قصائد باريس
* الشيوعي الأخير يدخل الجنة
* مثلث الدائرة
* أميركا… أميركا
* صلاة الوثني
* محاولات
وقد تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة، منها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية، كما عمل هو بنفسه مترجماً، فنقل إلى العربية أعمالاً لشعراء عالميين مثل والت ويتمان وقسطنطين كفافيس ويانيس ريتسوس، وأسهم في تعريف القارئ العربي بالشعر العالمي.
▪️ قصائد لا تزال حاضرة
من أشهر قصائده التي بقيت في ذاكرة القراء:
* الأخضر بن يوسف
* تحت جدارية فائق حسن
* نهايات الشمال الأفريقي
* المنفى
* يوميات الجنوب
* قصائد إلى بيروت
* صلاة الوثني
ومن أبياته التي تعبّر عن عالمه الشعري:
«الوطنُ… ليس حقيبةً، وأنا لستُ مسافراً.»
وفي موضع آخر يكتب:
«كلُّ ما في الأمر… أنني أحببتُ العراق أكثر مما ينبغي.»
بهذين السطرين اختصر سعدي يوسف علاقة الشاعر بوطنه؛ علاقة لا تحدّها الجغرافيا، ولا تنهيها المنافي.
ومن نصوصه “سامراء”
أرى العراقَ طويلَ الليلِ مُــذْ …”
مطرٌ على النوافذِ
والأشجارُ هابطةٌ ، والغيمَ
كان المساءُ الجهمُ يدخل في لوحِ السلالمِِ مقروراً
ويدخلُ في أناملي ؛
كيف لاحتْ ، بغتةً ، وبلا معنىً ، مَـدارجُ ســامرّاءَ ؟
كيف نمتْ مَــلْــويّــةٌ في يدي ؟
كيف صار البئرُ مرتشَــفي في اللحظةِ الصِّــفْــرِ ؟
“رأيت أبي”
كنتُ أمشي ، وأبي ، في غابةِ النخلِ
وأحسستُ أبي يرفعُني بين ذراعَيهِ :
لقد كنتُ خفيفاً
ريشةً…
وأبي كان خفيفاً
غيمةً كانَ
وفي القطنِ الذي يفترشُ الغيمةَ
أغمضتُ ( كما في الحلمِ ) عينيّ…
أبي!
▪️ شاعر المنفى والذاكرة
لم يكن المنفى عند سعدي يوسف مكاناً بعيداً عن العراق، بل كان امتداداً له. ظل يكتب عن البصرة والنخيل والأنهار والأزقة القديمة، وكأنها تعيش معه أينما رحل. ولهذا وصفه كثير من النقاد بأنه “شاعر المنفى”، ليس لأنه عاش بعيداً عن وطنه، بل لأنه جعل المنفى وطناً شعرياً جديداً.
نال خلال مسيرته عدداً من الجوائز والتكريمات العربية والعالمية، واعتُبر من أهم الأصوات الشعرية الحديثة التي أثرت في أجيال كاملة من الشعراء العرب.
وفي 12 حزيران/يونيو 2021، رحل سعدي يوسف في العاصمة البريطانية لندن عن عمر ناهز 87 عاماً، لكن قصائده بقيت حاضرة، تُقرأ في الجامعات، وتُتداول بين محبي الشعر، شاهدةً على تجربة إنسانية وأدبية استثنائية.
▪️ خاتمة
لم يكن سعدي يوسف مجرد شاعر يكتب القصيدة، بل كان مؤرخاً للمشاعر، ورساماً لذاكرة العراق بالكلمات. في كل نص تركه، نجد نهراً من أنهار البصرة، أو نخلةً تقاوم الريح، أو إنساناً يبحث عن وطنٍ يسكنه قبل أن يسكنه. لذلك سيبقى اسمه واحداً من الأسماء التي لا تغيب عن سجل الأدب العربي، وسيظل شعره يذكّر الأجيال بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تعبر الحدود، وأن تهزم الغياب، وأن تمنح الأوطان حياةً أخرى على صفحات الكتب.
