“البعد البصري للشعر أو الرسم بالكلمات || ترجمة ديوان فيليم روخمان “ما لا يراه سوى الرسامين

خاص | مدار 24

“وحدهُ الصمت لا يزالُ قادراً على إثارةِ الدهشة.”
| فيليم م روخمان

صدر حديثاً عن دار الشؤون الثقافية العامة في العراق الترجمة العربية عن اللغة الهولندية لكتاب “ما لا يراه سوى الرسامين” والذي يتضمن نصوصاً للشاعر البلجيكي فيليم روخمان، وقد أنجز ترجمة الكتاب الشاعر والمترجم العراقي مهدي النفري.

“Willem M. Roggeman” / “فيليم م. روخمان” هو شاعر وروائي، وناقد فني بلجيكي بارز يكتب باللغة الهولندية، ويُعرف في الأوساط الأدبية الأوروبية بلقب “الرسام بالكلمات” نظراً للبعد البصري القوي والفريد الذي يميز قصائده.

ولد روخمان في مدينة بروكسل عام 1935م ودرس العلوم الاقتصادية في جامعة “غنت” قبل أن يتفرغ تماماً للكتابة والصحافة الثقافية، وعمل صحفياً وناقداً أدبياً وفنياً لسنوات طويلة، كما تولى إدارة المركز الثقافي الفلامنكي الشهير “De Brakke Grond” في أمستردام بين عامي 1981م و1994م.

عرف عن روجمان تركيزه في شعره على الصور المرئية المبتكرة والمفاجئة بدلاً من الاعتماد التقليدي على موسيقى اللفظ والقافية، مما جعل أعماله شديدة الارتباط بالفنون التشكيلية.

أصدر مجموعته الشعرية الأولى بعنوانRhapsody in Blue” عام 1958م وهو في الحادية والعشرين من عمره، حتى آخر أصدار له كتاب What Only Painters See المترجم إلى اللغة الإنجليزية، والذي أتاح شعره للجمهور الأمريكي والعالمي.

نال عدة جوائز أدبية رفيعة مثل جائزة “ديرك مارتنز” وجائزة مدينة بروكسل الأدبية. كما قُلِّد وسام ليوبولد الثاني الرفيع تقديراً لإسهاماته الثقافية الكبيرة.

كان عضواً فاعلاً في الحركات الأدبية الطليعية في خمسينيات القرن الماضي والتي أحدثت ثورة في بنية النص الشعري وساهم في تأسيس وتحرير مجلات أدبية رائدة غيرت وجه القصيدة الحديثة.

وجاء في تقديم الكتاب “يُصنف روخمان شاعراً بصرياً من الطراز الأول، فقد ارتبطت تجربته بعلاقة وثيقة مع الفنون التشكيلية، مما جعل قصيدته تتسم بدقة البناء ووضوح الصورة.”

عرف عن المترجم مهدي النفري اهتمامه الكبير بالأدب الهولندي، وهو شاعر ومترجم ورسام عراقي مقيم في هولندا، يكتب بالعربية والهولندية ويترجم لهما، وقد صدرت له العديد من الترجمات عن الشعر والأدب الهولندي.

نقرأ في الكتاب نصوصاً شعرية منها :
▪️ “مقطع من نص”
مَعَ فيرلينغيتي في سان فرانسيسكو

ثَمّةَ مَن يَجدُ مِفتاحَ أحلامِكَ القديمة، ويَفتحُ مَشاهدَ ثلاثةِ أيامٍ من شهر تموز في سان فرانسيسكو؛ وها أنتَ تعودُ لتجلسَ في حافلةِ الكابلاتِ المفتوحة وهي تَهبطُ المنحدرَ الحادَّ حتى المحطةِ الأخيرة عند رصيف الصيادين حيثُ تغسلُ الأمواجُ القادمةُ من المحيط الهادئ حوافَّ الشاطئ.

هُنا يَبدأُ ماءُ البحرِ تأمُّلَهُ البديع ويَقتربُ من حدائقِ مركزِ بوذية الزِّن حيثُ يَقودُكَ مَمرٌّ ضيّقٌ في غرين غوتش لتتناولَ الـكرواسان الفرنسيَّ كإفطارٍ أمريكيّ، ثمَّ تَجلسُ في مكانٍ ما في الخلاء، وتقولُ بتمهُّلٍ كما قالَ غاري سنايدر أظنُّ أنني سأصبحُ (بوذا) هنا.

▪️ معنى الكلمات
ما كُتِبَ لا وُجودَ لهُ حقاً
في البدء، تورَّطَ الناسُ في الصمت
ثم أُطلِقَ سَراحُهم في حديقةٍ مَليئةٍ بالأسماء.
تفرُّ الكلماتُ صارخةً من اللغة
من قفصِ الهِجاء وقواعدِ النحو
وتستلقي فوقَ عُشبٍ يبتسمُ بسخريةٍ
في حديقة عامة تُغني الأبجديةَ بصوتٍ خفيض.
هناكَ.. وبِخفقانِ جناحيه يَموتُ الفراشُ قبلَ الأخير
رسالةٌ تبحثُ في كلِّ مكانٍ عن مُرسلٍ إليه.
هكذا سيبدو الشاعرُ من الآنَ فصاعداً
بَديهيّاً
لا أملَ لهُ
لكنَّهُ مطمئنٌ بالتدريج
بفعلِ التفكيرِ الهامسِ لشجرة
بفعلِ الوشوشةِ الفضيةِ للريح
بفعلِ اللثغةِ الرطبةِ للمطر
ومع ذلك يظلُّ دائماً بلا نَفَس، بلا مَعنى.
ثم تعودُ الكلماتُ ثانيةً إلى لغتِها
وهذا يعني كلُّ كلمةٍ تعودُ إلى لغتِها الخاصة
وما يتبقى دائماً هو هذه الحقيقةُ الذابلة.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.