غسان كنفاني الكاتب الذي جعل الكلمة وطناً

كتبه : مصطفى شاكر _ العراق

هناك كتّاب يروون الحكاية، وهناك كتّاب يتحولون إلى جزءٍ من الحكاية نفسها، غسان كنفاني كان واحداً من أولئك الذين لم يكتبوا عن فلسطين من بعيد، بل من العمق ومن ذاكرة اللجوء، ومن وجع المنفى، ومن حلم العودة الذي لم يفارقه حتى لحظة اغتياله. لم يكن يؤمن بأن الأدب مجرد كلمات تُكتب، بل كان يرى أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تحفظ الوطن في ذاكرة الأجيال، حتى وإن سُلبت الأرض.

 

وُلد غسان فايز كنفاني في مدينة عكا بفلسطين في 9 نيسان/أبريل 1936م، وعاش طفولته بين عكا ويافا، قبل أن تغيّر نكبة عام 1948م مجرى حياته. اضطر مع عائلته إلى اللجوء أولاً إلى لبنان ثم إلى سورية، وهناك بدأت تتشكل شخصيته الفكرية والأدبية، حيث عاش تجربة اللجوء بكل تفاصيلها، لتصبح فيما بعد المحور الأساسي في معظم أعماله.

 

درس الأدب العربي، وعمل مدرساً لفترة قصيرة، ثم اتجه إلى الصحافة والكتابة، ليصبح أحد أبرز الصحفيين والمثقفين العرب، كتب في عدد من الصحف والمجلات، وكان يتميز بأسلوب واضح وعميق يجمع بين الأدب والفكر والسياسة، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بما يُعرف بـ”أدب المقاومة”، وهو الأدب الذي يعبر عن الإنسان في مواجهة الاحتلال والاقتلاع وفقدان الوطن.

 

لم يكن غسان كنفاني يكتب عن شخصيات خيالية فحسب، بل كان يكتب عن حياة آلاف الفلسطينيين الذين عاشوا تجربة اللجوء، وكانت رواياته وقصصه قصيرة في حجمها، لكنها عميقة في معناها، حتى أصبحت من أهم وأبرز الأعمال في الأدب العربي الحديث.

 

▪️ “رجال في الشمس” (1963) ، الرواية التي صنعت مجده الأدبي، والتي تُعد رواية من أشهر أعماله، إذ تحكي قصة ثلاثة لاجئين فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت بحثاً عن فرصة عمل، فيختبئون داخل خزان شاحنة يعبر الصحراء، لكنهم يفقدون حياتهم بصمت. وفي نهاية الرواية يطرح كنفاني سؤالاً أصبح من أشهر الأسئلة في الأدب العربي: “لماذا لم يدقّوا جدران الخزان؟” حيث تحولت هذه العبارة إلى رمز للصمت والاستسلام، وأصبحت تُستشهد في الأدب والسياسة والفكر حتى يومنا هذا.

 

▪️ “عائد إلى حيفا” (1970) عندما يصبح الوطن سؤالاً، ففي هذه الرواية يعود زوجان فلسطينيان إلى منزلهما بعد سنوات طويلة من التهجير، ليجدا أن ابنهما الذي فقداه أثناء النكبة قد نشأ في كنف عائلة أخرى. ومن خلال هذا الحدث، يناقش كنفاني أسئلة الهوية والانتماء والوطن والذاكرة، وهي رواية تُعد من أهم الأعمال الأدبية العربية في القرن العشرين.

 

ومن أبرز مؤلفات غسان كنفاني الأخرى : أرض البرتقال الحزين (1963)، ما تبقى لكم (1966)، أم سعد (1969)، الشيء الآخر، العاشق (نُشرت بعد استشهاده)، عن الرجال والبنادق، الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال، وهو من أهم دراساته النقدية.

 

وإلى جانب الرواية والقصة، كان غسان كنفاني صحفياً لامعاً، إذ كتب مئات المقالات السياسية والثقافية، وعُرف بدقته في التحليل وجرأته في الطرح، وكان يؤمن بأن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، بل مسؤولية أخلاقية وثقافية، وأن الكاتب الحقيقي يجب أن يكون قريباً من الناس وقضاياهم.

 

▪️ حوار صحفي متخيّل مع غسان كنفاني

 

الصحفي : ما الذي تعنيه لك الكتابة؟

غسان : الكتابة ليست مهنة أمارسها، بل مسؤولية أحملها. أكتب لأن هناك حكايات لا يجوز أن تُنسى، ولأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد مستقبلها.

 

الصحفي : لماذا حضرت فلسطين في معظم أعمالك؟

غسان : لأن فلسطين ليست موضوعاً أكتب عنه، بل هي حياتي الأولى، وذاكرتي، وصوت الناس الذين حملوا مفاتيح بيوتهم ورحلوا وهم يحلمون بالعودة.

 

الصحفي : هل تؤمن أن الأدب قادر على تغيير الواقع؟

غسان : ربما لا يغيّر الأدب العالم مباشرة، لكنه يغيّر الإنسان، والإنسان هو من يغيّر العالم.

 

الصحفي : ما الرسالة التي تود أن تصل إلى الأجيال الجديدة؟

غسان : لا تسمحوا لأحد أن يسرق منكم حق الحلم، ولا تتركوا الذاكرة تموت، فالأوطان تعيش في قلوب أصحابها قبل أن تعيش على الخرائط.

 

الصحفي : لو عاد بك الزمن، هل كنت ستسلك الطريق نفسه؟

غسان : نعم، لأن الإنسان لا يختار الحقيقة، بل الحقيقة هي التي تختاره.

 

▪️ الرحيل الذي لم يُنهِ حضوره

 

في صباح 8 تموز/يوليو 1972م، اغتيل غسان كنفاني في العاصمة اللبنانية بيروت إثر تفجير استهدف سيارته، وكان عمره ستة وثلاثين عاماً فقط. ورغم رحيله المبكر، بقيت أعماله تُقرأ في مختلف أنحاء العالم، وتُرجمت إلى عشرات اللغات، وأصبحت جزءاً من المناهج الجامعية والدراسات الأدبية.

 

ولم يكن اسم غسان كنفاني يمر عابرا كمجرد روائي أو صحفي، بل كان ضميراً أدبياً حمل هموم الإنسان والوطن في آنٍ واحد. ترك خلفه إرثاً أدبياً وفكرياً ما زال حاضراً في المكتبات والجامعات، وما زالت كلماته تُلهم أجيالاً تؤمن بأن الأدب ليس للمتعة وحدها، بل هو أيضاً شهادة على التاريخ، وحفظٌ للذاكرة، وصوتٌ لا تستطيع السنوات أن تُسكت صداه.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.