جواد سليم الفنان الذي نحت روح العراق في البرونز

كتبه : مصطفى شاكر _ العراق

في تاريخ الأمم، ثمة فنانون يرسمون لوحات جميلة، وثمة من يتحولون إلى جزءٍ من هوية أوطانهم، في العراق، لا يمكن الحديث عن الفن الحديث من دون التوقف عند اسم جواد سليم النحات والرسام الذي استطاع أن يجعل الحجر والبرونز يتكلمان بلسان العراق، وأن يحوّل الفن إلى ذاكرة وطنية لا تزال حاضرة بعد أكثر من ستة عقود على رحيله.

لم يكن جواد سليم مجرد نحاتٍ بارع، بل كان صاحب مشروع ثقافي وفني آمن بأن العراق يمتلك حضارة عريقة تستحق أن تنعكس في الفن الحديث. لذلك مزج بين إرث بلاد الرافدين، والفن الإسلامي، والأساليب الأوروبية الحديثة، ليؤسس مدرسة فنية عراقية ذات هوية خاصة، أثرت في أجيال من الفنانين داخل العراق وخارجه.

▪️ النشأة والبدايات
وُلد جواد محمد سليم عام 1919م في مدينة أنقرة لأسرة عراقية عُرفت باهتمامها بالفنون، والده الفنان محمد سليم، وقد برز عدد من أشقائه في مجالي الرسم والنحت، وعندما عادت الأسرة إلى بغداد، نشأ جواد في بيئة ثقافية شجعته على تنمية موهبته منذ طفولته.

درس الفن في بغداد، ثم سافر إلى باريس عام 1938م وبعدها إلى روما، ولاحقًا إلى لندن حيث واصل دراسته في مدرسة “سليد” للفنون الجميلة. وقد أتاحت له هذه الرحلات الاطلاع على المدارس الفنية الأوروبية، لكنه عاد إلى العراق مقتنعًا بأن الفن العراقي لا ينبغي أن يكون نسخة من الغرب، بل يجب أن يستمد روحه من حضارات سومر وبابل وآشور والتراث الإسلامي.

بعد عودته إلى بغداد، تولى رئاسة قسم النحت في معهد الفنون الجميلة، وأسهم في تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث عام 1951م مع الفنان شاكر حسن آل سعيد وعدد من التشكيليين العراقيين. وكانت الجماعة تدعو إلى بناء فن حديث يستلهم التراث العراقي ويستخدم تقنيات معاصرة، وهو توجه أصبح لاحقًا أحد أهم ملامح الحركة التشكيلية العربية.

▪️ نصب الحرية .. العمل الذي خلد اسمه
شاهد للهوية والتاريخ، وجسد يختصر الألم والنظال العراقي، حيث يبقى نصب الحرية في ساحة التحرير وسط بغداد أشهر أعمال جواد سليم، وأحد أهم المنجزات الفنية في تاريخ العراق الحديث.

بدأ العمل على النصب عام 1959م واختير له موقع يطل على ساحة التحرير في قلب بغداد. صُمم النصب بطول يقارب خمسين مترًا وارتفاع نحو عشرة أمتار، ويتكون من مجموعة من المنحوتات البرونزية المثبتة على جدار من حجر الترافرتين، وتُقرأ عناصره من اليمين إلى اليسار، كما تُقرأ القصيدة العربية، حيث تروي رحلة الإنسان العراقي من القمع إلى الثورة ثم إلى الأمل والحرية.

استلهم جواد سليم أشكال شخصياته من النقوش الآشورية والبابلية والعباسية، لكنه صاغها بلغة فنية حديثة جعلت النصب يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ولذلك يُعد حتى اليوم من أبرز رموز بغداد والفن العربي الحديث.

▪️ لوحات ومنحوتات خالدة
وإلى جانب «نصب الحرية»، ترك جواد سليم أعمالًا كثيرة أصبحت علامات في تاريخ الفن العراقي، منها:
الأمومة.
الأم والطفل.
الإنسان والأرض.
العائلة البغدادية.
ليلة الحناء.
بائع الشتلات.
امرأة مع دلة القهوة.
طفلان يأكلان الرقي.
مسجد الحيدرخانة.
وتكشف هذه الأعمال اهتمامه بالحياة اليومية العراقية، والمرأة، والأسرة، والأسواق الشعبية، والعمارة البغدادية، وهي موضوعات جعلت فنه قريبًا من الناس.

كان جواد سليم يؤمن بأن الفنان لا يكتفي بنقل الواقع، بل يعيد صياغته بروح جديدة. ولذلك لم يكن يقلد الفن الأوروبي، بل استلهم الرموز السومرية والآشورية والإسلامية، وأعاد تقديمها بأسلوب حديث، حتى أصبح يُنظر إليه بوصفه الأب الروحي للفن العراقي الحديث.
ويرى نقاد الفن أن إنجازه الحقيقي لم يكن في عدد أعماله، بل في تأسيس هوية بصرية عراقية لا تزال مؤثرة حتى اليوم.

▪️ الرحيل المبكر
أثناء انشغاله بإنجاز «نصب الحرية»، تعرض جواد سليم لضغوط صحية كبيرة، وأصيب بأزمة قلبية أنهت حياته في 23 كانون الثاني/يناير 1961، وهو في الثانية والأربعين من عمره، قبل أن يشاهد عمله الأشهر مكتملًا. وبعد وفاته، أتم الفنان العراقي محمد غني حكمت تنفيذ النصب وفق تصميمه الأصلي، ليصبح واحدًا من أشهر المعالم الفنية في الشرق الأوسط.

وبعد أكثر من ستين عامًا على رحيله، ما زالت أعمال جواد سليم تُعرض في المتاحف والمجموعات الفنية، ويُعد اسمه مرجعًا لكل دارس للفن العراقي الحديث. كما بقي «نصب الحرية» شاهدًا على عبقريته، ورمزًا يتجاوز قيمته الجمالية ليصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية للعراقيين.

لم يكن جواد سليم فنانًا يبحث عن الشهرة، بل كان صاحب رسالة آمن بأن الفن قادر على حفظ ذاكرة الشعوب. ترك وراءه منحوتات ولوحات لا تروي قصة شخص واحد، بل تحكي قصة العراق بأكمله؛ حضارته، وآلامه، وأحلامه. ولهذا سيبقى اسمه محفورًا في تاريخ الفن العربي، كما بقيت منحوتاته محفورة في قلب بغداد، شاهدةً على أن الإبداع الحقيقي لا يموت برحيل صاحبه.

مقالات قد تعجبك
1 Comment
  1. f علق

    فكرة جميلة جدا
    تسليط الضوء على سير الفنانين والمبدعين
    ونحن بحاجة إليها.
    شخصياً، طالما تساءلت في نفسي: من يا ترى صاحب الفكرة العبقرية وراء نصب الحرية
    واليوم فقط عرفت الإجابة بفضلك.
    هذا الطرح ليس مجرد كتابة، بل هو إحياء لذاكرتنا الجمالية. كل التوفيق لك في هذا المسار الاستثنائي.

اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.