الكاتبة العراقية حياة شرارة المثقفة التي قاومت العزلة بالكلمة

أسرة التحرير | مدار 24

 

لم تكن حياة شرارة مجرد كاتبة أو مترجمة عراقية فحسب، بل كانت واحدة من أبرز المثقفات اللواتي تركن أثرًا عميقًا في الأدب العراقي الحديث. وبرحيلها في 1 آب/أغسطس 1997، فقد العراق صوتًا أدبيًا وعلميًا جمع بين البحث والترجمة والإبداع، تاركًا وراءه إرثًا ما زال حاضرًا في المكتبة العربية.

 

ولدت حياة محمد شرارة عام 1935 في مدينة النجف، قبل أن تنتقل مع أسرتها إلى بغداد. نشأت في بيت ثقافي عريق؛ فوالدها محمد شرارة كان شاعرًا وأديبًا معروفًا، وكان منزله ملتقى لكبار الأدباء والمفكرين العراقيين، مثل محمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة. في هذه البيئة تشكل وعيها الأدبي، ونمت علاقتها المبكرة بالكتاب والفكر.

 

بعد إنهاء دراستها الثانوية، حالت الظروف السياسية دون إكمال دراستها الجامعية في بغداد، فسافرت إلى القاهرة ثم إلى موسكو، حيث تخصصت في الأدب الروسي، وعادت لاحقًا إلى العراق لتعمل أستاذة جامعية ومترجمة وباحثة، وأسهمت في تعريف القارئ العربي بالأدب الروسي الكلاسيكي.

 

عرفت حياة شرارة بدقتها العلمية واهتمامها بالترجمة الأمينة، فترجمت أعمالًا لعدد من كبار الأدباء الروس، منهم إيفان تورغينيف وألكسندر بوشكين، كما أصدرت كتبًا مهمة مثل «مدخل إلى الأدب الروسي»، و«تولستوي فنانًا»، و«ديوان الشعر الروسي»، و«يسينين في الربوع العربية»، إلى جانب كتابها النقدي المعروف «صفحات من سيرة نازك الملائكة»، الذي يُعد من أهم المراجع عن الشاعرة العراقية الرائدة.

 

وفي مجال الإبداع الأدبي، كتبت الرواية والقصة والمقالة، وكان أبرز أعمالها رواية «إذا الأيام أغسقت»، التي صدرت بعد رحيلها، وتُعد من أهم الروايات العراقية التي تناولت حياة المثقف العراقي وما يحيط به من عزلة وضغوط وتحولات اجتماعية وسياسية.

 

لم تكن حياة شرارة بعيدة عن هموم المجتمع، فقد عاشت سنوات صعبة أثرت في حياتها الشخصية والمهنية، وانعكست على كتاباتها التي اتسمت بالهدوء والعمق والتأمل، واهتمت بقضايا الإنسان والحرية والثقافة. وبسبب الظروف التي أحاطت بها في سنواتها الأخيرة، رحلت في الأول من آب عام 1997 مع ابنتها مها في حادثة ما زالت تُناقش في الأوساط الثقافية، وقد وثقت مصادر عديدة أنها توفيت إثر استنشاق الغاز، بينما استمرت النقاشات حول ملابسات وفاتها.

 

وتبقى حياة شرارة واحدة من أبرز النساء اللواتي أسهمن في الحركة الثقافية العراقية في القرن العشرين، إذ جمعت بين البحث الأكاديمي والترجمة والإبداع الأدبي، وفتحت نافذة واسعة أمام القارئ العربي للتعرف على الأدب الروسي، كما تركت أعمالًا ما زالت تُقرأ وتُدرس حتى اليوم.

 

ومن أجمل ما يمكن أن يقال في استذكار ها : “قد يرحل أصحاب الأقلام، لكن الكلمات الصادقة تواصل حياتها في ذاكرة الأجيال.”، وحيث يستعيد الوسط الثقافي العراقي اسم حياة شرارة بوصفها رمزًا للمثقف الذي آمن بأن المعرفة رسالة، وأن الكتابة قادرة على مقاومة النسيان، حتى وإن غاب صاحبها.

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.