▪️ ما الذي يجعلك تكتب ؛ هل هو اضطراب العالم أم سكون الذاكرة؟
ج: قد يكتب المبدع لمغازلة الذاكرة الجمعية ، لكن هذه الذاكرة نفسها قد تخذله خذلانا بالغا ، إذا ما كانت قصيرة أو بالأحرى بلا سيقان طويلة للوصول إلى المحطة الأخيرة للأبدية. كما أن المبدع قد يكتب لتقويم اضطراب العالم ، بيد أن جوهر الأدب لا يكمن فحسب في هذه النزعة الأخلاقية ذات الطابع الاصلاحي ، لأن أجمل و أعمق النصوص العالمية هي تلك التي كَتَبَتْ ببراعة و جرأة فوضى العالم و اختلاله . أسترجعُ ضمن هذا السياق ، و على سبيل الالماع إلى ما قصدتهُ ، رواية ” تحت البركان ” للكاتب الانجليزي مالكوم لوري ، تلك التي قدمت بشكل جهنمي متراكب ، و على مدار يوم واحد فقط ، بطلا مضادا مدمنا على الكحول ، كان يمارس هذيانه داخل بلدة بعيدة انفجر فيها بركان جامح ، وسط احتفالية غريبة و مبهجة بيوم الموتى ، حيث الأقنعة تذاكرٌ رمزية لتبادل الزيارات مع الأحبة و الأقارب الراحلين .
▪️ الكتاب الذي تمنيت لو كنت مؤلفه، ولماذا يمسُّ جوهر روحك؟
ج : أحب كثيرا كتاب ” منامات الوهراني و مقاماته و رسائله ” للشيخ ركن الدين بن محمد بن محرز الوهراني ، وهو مؤلَّفٌ عظيم الشأن في الأدب العجائبي ، و السخرية السوداء ، و فلسفات العدم و الغيب و الخلود ، و تخييل الرؤيا، و المنامات، و الأحلام ، و المخلوقات النارية، و سرديات ما بعد الحياة . و لعل فصل ” المنام الكبير ” بين ثنايا و مفاصل هذا التدوين ، يضاهي في متخيله ، و لغته ، و قيمته الأسلوبية ، ما كتبهُ في آداب أخرى كل من دانتي أو المعري أو فرجيل أو بورخيس أو جون ميلتون أو أرنستو ساباتو أو السهروردي أو ايمانويل سويدنبورغ. و لهذا الكتاب أخ أصغر شقيق هو ” كتاب التوهُّم ” للحارث بن أسد المحاسبي ، وهو بدوره سفر حكائي متفرد في الزهد ، و الرقائق ، و التصوف، و وصف أحوال يوم القيامة و أهوالها ، حيث يمضي المؤلف بالقارئ ، على معراج من دهشة و ذهول ، في رحلة أدبية و دينية سريالية تصويرية يبدأ فيها بـ “توهُّم” سكرات الموت، ثم سؤال الملكين في القبر، مروراً بأحوال البعث، والحساب، والصراط، ثم تُختتم هذه الرحلة ذات الخيالات القيامية المتعالية باستقرار أهل الجنة في نعيمهم وأهل النار في جحيمهم.
كتابان بديعان ساحران لا يفارقان ذائقتي و ذاكرتي، أقرأهما و أحرص عليهما كل عام من منظور الأدب السردي الخالص ، لا من زاوية الدين المحكوم بالجزاء أو العقاب.
▪️ أين تجد ملاذك حين تعجز الكلمات؟
ج : أجد ملاذي الخاص في الاختفاء المؤقت عن العالم و الناس و الأماكن المعتادة ، ملقيا بالدنيا خلف ظهري مثلما يقال . أكتب هذه الأيام قصة قصيرة عن رجل مكتئب و هو في الآن ذاته كاتب لنصوص ملغزة على طريقة ” ميكروغرامات” الكاتب السويسري روبرت فالزر ، يمتلك في جسده خاصية عضوية لها علاقة بحيوان الحبّار . فهو إذا ما شاهد في الشارع أو الحياة شخصا غير مرغوب فيه ، تكون له عندئذ القدرة على افراز غمامة سوداء أو ستار دخاني ، بغرض التضليل ، و ارباك حواس من لا يستسيغهم أو لا يطيقهم من أشباهه الآدميين الثقلاء ، حقراء الطوية، و وضيعي الأرواح . أعتقد أن هذا الكائن صاحب صبغة “الميلانين” قاتمة اللون ، الطالعة كبخاخ الرش من فتحة سرة البطن، هو أنا تقريبا . بطل هذه القصة القصيرة كاتب سارد يشتغل بالمداد على قصاصات صغيرة بخط منمنم لا يُقرأ سوى بمرآة أو عدسة مكبرة ، و بما أنه كائن حبري له القدرة الخارقة على التواري الذاتي ، توجب أن تكون الكتابة الحقة على وجه الإطلاق مرادفة للتلاشي و الاختباء عن الخلق من الدرجة الرديئة . الكاتب بمعنى من المعاني هو ” صانع اختفاءات ” إرادية بامتياز ، و أيُّ عودة لسرة الولادة، هي عودة لصمت الأعماق و الأمومة الأولى للكلمات ..الكلمات ذاتها التي تشبه مناغاة الرضيع أو مخطوطا كتب بحروف و أرقام و رسومات غامضة متداخلة ، كي يُلقي بنا عاجلا أو آجلا في محيط الاحتمالات المدوخة .
▪️ شخصية أدبية كنت تودُّ تناول القهوة معها، وماذا ستسألها؟
ج: أتخيلني أو أتوهمني في مقهى ” العالم ” بساحة السراغنة، بمدينة كازابلانكا تحديدا ، أجالس كلا من الهدهد و السيمورغ ، وبيننا على طاولة المقهى كتاب ” منطق الطير ” للشاعر المتصوف فريد الدين العطار ، على هيئة وريقات تشكلت من أربعة آلاف وستمائة بيت شعري ، كلما مر من أمامنا شخص عابر ، أهديناه بالتناوب ، نحن الثلاثة ، وريقة دُوّن عليها بيت شعري يخصه و يخص رحلته القادمة في الوجود . وعند انقطاع طابور الخلق عن المرور و تسلم الوريقات ، كنت أسأل الهدهد تارة ، على يميني ، عن بعض الألغاز الدينية، و الوجودية ، و الميتافيزيقية ، و الفلسفية ، التي جعلت منها سالكا للطريق و أحد رواد الحضرة الإلهية من المتصوفة ، و تارة أخرى كنت أسأل السيمورغ ، على يساري، عن أسرار تسميته بالسلطان المطلق الدائم، ذاك الذي عاش مائة ألف عَالَم و عَالَم ، دون أن يموت ، حتى وصل إلى فندق الأبدية، كما كنت أستفسره عن مغزى حياته التي كانت مليئة بالجُند والحَشَم، وماهم سوى بمثابة نملة واحدة على بابه الجبار الشاهق. أستفيق، فجأة ، من توهماتي الجانحة ، و هلاوسي المغالية ، فأجدني وحيدا على طاولة مقهى مهجور في ساحة فارغة تشبه تقريبا “ساحة السراغنة” لكنها ليست هي ، وأمامي على الطاولة حزمة ورقيات بيضاء بلا كتابة . أرفع بصري إلى أعلى، فألمح وقتها معلمنا الشامان أحمد بوزفور محلقا على شكل رجل طائر بجناحين هائلين ، ثم سرعان ما ينزل ، و يحط برفق على كتفي .
▪️ لو كان للثقافة صوت، كيف تصف نبرته في واقعنا اليوم؟
ج: لا صوت للثقافة في أيامنا هاته . إنه زمن البهلوان الجديد الذي أعاد اختراع ذاته و كينونته و أراجيفه . نبرة المثقف أصبحت رتيبة مبحوحة ، و شعاراته عتيقة متآكلة. نعيش داخل مارستان هائل للأقنعة، تحول إلى متحف كوني للعاهات . الحياة مقبرة كبيرة للخردوات البشرية القادرة على بيع و شراء كل شيء و لا شيء . لا أريد أن أضيف المزيد ، لأن الصمت في مثل هذه الحالات دعوة للعودة إلى الاستقرار في الذات البعيدة النائية عن كل هذا الخراب . لقد أفرغت كأسي كلها ، و أود أن أتخلى عن كافة ما أدركته و خبرته سابقا.
▪️ ما الذي ينقص المشهد الثقافي في بلدك ليكون أكثر تأثيراً وحيوية؟
ج : التوقف عن الشكوى البئيسة ، و التسول الثقافي ، و العنف اللساني .
▪️ هل الكتابة وسيلة للنجاة أم مجرد توثيق للغرق؟
ج : لا نجاة بالتأكيد ، لأننا في طور تعلم مهارات الغرق التدريجي . أصيب والدي المناضل اليساري الحاج مصطفى الرافعي ، خلال الخمس سنوات الأخيرة، بمرض الزهايمر . فقد النطق ، و تخلى عنه جسده بشكل شنيع . هذه الواقعة الأليمة جعلتني أراجع كل شيء في وجودي. من المحتمل أنني سأصاب بدوري بنفس المرض . لا أرغب أن تكون نهايتي على هذا النحو التراجيدي. والدي كان رجلا عظيما و لا يستحق هاته الخاتمة السخيفة ، وأنا بدوري قدمت ما يكفي كي أستحق بعض مكانة أبي و رمزيته . من الآن فصاعدا ، يتحتم علي أن أبحث عن طريقة ما كي أنجو من هذا الغرق القادم الوشيك . ترى هل يمكنني وشم قصصي على جلد جسدي كي تمضي معي إلى الفناء ، إذا ما خانتني ذاكرتي يوما ؟.. دعني أردد معك ما قاله أبو العتاهية :
” ما زالَتِ الأَيّامُ تَلعَبُ بِالفَتى/ طَوراً تُخَوِّلُهُ وَطَوراً تَسلُبُه/مَن لَم يَزَل مُتَعَجِّباً مِن كُلِّ ما/
تَأتي بِهِ الأَيّامُ طالَ تَعَجُّبُه”
▪️ ما هو الأثر الذي ترغب أن يتركه نصك الأخير في قارئٍ مجهول؟
ج: لعلهُ أثرُ أن يكون للامرئيّ وجود فعلي في حياة هذا القارئ المجهول . مثلا أن يكون قادرا على منح وظيفة مؤدى عنها لشبح . نظيرٌ أو دخيلٌ أو مضاعف يعيش و يعملُ معهُ في داخل مسكنه . كتب الناقد و المحلل النفسي النمساوي أوتو رانك عن ” الحياة مع الظل ” ، و عن هذا الظل المحتجب تحديدا أتحدث.. ظلٌ بقدرات استثنائية ينوب عنك في مهامك اليومية ، و يقوم بأعباء وظيفتك أو أسرتك بدلا عنك ، فيما أنت ترتاح في مكان آخر ، بل ظلٌ يجوز أن يُدفن عوضا عنك في القبر ، بينما أنت تتحول في نهاية المطاف إلى شبح سيعيش سعيدا في عالم الأطياف أو في عالم ” المحيط اللامحدود ” كما نعتته ” أغاني أشتافاكرا” الهندية . في الفصل السابع ، يقول (جانكا): ” في محيط ذاتي اللاّمتناهي، أسمح لأمواج العالم بأن تظهر ، وبأن تختفي كما تشاء . أنا لن أكسب، أو أخسر شيئا بفعل ذلك . في محيط ذاتي اللاّمتناهي، يأخذ العالم ، بما هو نتاج للعقل ، مكانه . أنا ساكن خلف كل شكل ، و هكذا سأظل كالظل ” .
لعمري ، كم نحن في حاجة لإعادة تدوين تاريخ الكتابة من منظور اللامرئي، لا من زاوية المرئي المألوفة فقط . لو قيض لي ، ذات يوم ، أن أؤلف معجما أو أنطولوجيا للسرد اللامرئي ، فمن المحتمل أن لا أتمكن من انهائهما ، لأن مخلوقات الظلام ستلتهمني حينها عند مشارف الفصول الأولى لهذا العمل المستحيل .
_____________________________________________
| ▪️ أنيس الرافعي : كاتب مغربي مخلص لفن القصة القصيرة عُرف باشتغاله على افتراضات التجريب وتجربة التخوم مع الفنون الموازية وتوظيف السرد الثقافي بأبعاده الإثنوغرافية والأنتربولوجية. يمتلك في رصيده الإبداعي نحو 30 كتاباً. حاصل على جائزة ناجي نعمان الكبرى للاستحقاق الأدبي 2008 وجائزة غوتنبيرغ الدولية للكتاب 2013 وجائزة أكيودي الصينية 2014 والجائزة الكبرى لشبكة القراءة في المغرب 2022 كما فاز بجائزة الملتقى للقصة العربية بالكويت 2023 التي تعتبر أكبر تقدير أدبي يمكن أن يناله كاتب للقصة القصيرة في العالم العربي. ترجمت قصصه القصيرة إلى الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية والإسبانية والصربية والفارسية واليابانية. وتوج العام 2026 بجائزة المغرب للكتاب فرع السرد عن كتابه “جميعهم يتكلمون من فمي” وهو تتويج أعتبر تاريخيا لأنه رابع كاتب للقصة القصيرة في المغرب يفوز بهذه الجائزة المرموقة على مدار ست وخمسين دورة. |
