الفيلم الإيرلندي “قدمي اليسرى”: حين تتحوّل سيرة الألم إلى مُتعة

كتبه : عبد الرحيم الخصار _ شاعر وكاتب مغربي

▪️ فيلم نقل سيرة التشكيلي والشاعر الإيرلندي كريستي بروان إلى الشاشة الكبرى، وصوّر معاناته الجسدية وتحديه لمرض الشلل الدماغي.

 

لم يشأ المخرج الإيرلندي جيم شيريدان أن يفتتح فيلمه اللافت “قدمي اليسرى” بتقنية الكلوز آب Closeup عبر تركيز الكاميرا على وجه الممثل دانييل داي لويز، بل ملأ الشاشة بقدمه اليسرى وهي تحمل بين أصبعين أسطوانةً وتضعها على الغرامافون، لينطلق بعدها أحد ألحان موزارت. ذلك أن القدم اليسرى في هذا الفيلم هي الشخصية الرئيسية تقريبا التي حاول الممثل الإيرلندي، بتوجيه من شيريدان، أن يخرجها من كتاب كريستي براون ويضعها أمام أنظارنا برمزيتها الهائلة.

يعود الفيلم الذي خرج إلى الوجود سنة 1989 ليفتح كتاب الشاعر والرسام الإيرلندي كريستي براون الذي يحمل العنوان نفسه “قدمي اليسرى”، وليفتح مسار كائن استثنائي وضعته الأقدار على شاكلة مختلفة عن أقرانه. فقد عانى من الشلل الدماغي منذ طفولته، وظل يزحف ويتحرّك بصعوبة داخل البيت، ويتنقّل في عربة خشبية مجرورة يدفعها إخوته وأصدقاؤه في الحيّ.

يعتمد الفيلم تقنية الارتجاع الفنّي لنقل تفاصيل من حياة براون منذ طفولته المبكّرة إلى سنواته الأخيرة، فهو فيلم سيرة ينتمي إلى صنف Biopics. ويأخذ الفيلم مادته الحكائية من كتاب كريستي براون الذي جاء على هيئة سرد كرونولوجي لحياته القصيرة، والذي يمكن اعتباره أيضا بمثابة بيان أو نشيد حماسيّ يشهد على تاريخ من التحدّي والرغبة الهائلة في تجاوز كل العقبات: “علمتُ لحظتها أن واجبي الأول هو أن أنتصر قبل كل شيء على نفسي، وأن تلك هي المعركة الحقيقية التي بدأت”. هذا ما يقوله براون في كتابه، وما تترجمه المشاهد المتعاقبة التي شخّصها دانييل داي لويز ببراعة كبيرة، إذ تم تتويج الممثل الإيرلندي بجائزة الأوسكار في العام المولي، وهي الجائزة التي انتزعها من بين أربعة ممثلين لهم مكانة كبيرة في السينما العالمية: مورغان فريمان، توم كروز، روبين ويليامز وكينيث براناه.

فضلا عن جائزتي الأوسكار حصل الفيلم على جوائزة عديدة من بينها جائزة الأكاديمية البريطانية للأفلام “بافتا”، وجائزة مهرجان مونتريال، إضافة إلى جوائز النقاد في لندن ولوس أنجلوس ونيويورك وبوسطن. وإن كانت معظم الجوائز من نصيب الممثل دانييل داي لويز، فإن الممثل الطفل هيو أوكونور الذي شخّص دور كريستي براون في طفولته قد حصل هو الآخر على جائزة الفنان الصغير Young Artist Award التي تمنحها جمعية الفنان الشاب بأمريكا.

 

إن التبئير على القدم اليسرى في الفيلم مستمدٌّ مما أولاه الكاتب لها في سيرته، تلك السيرة التي برع شيريدان في تفليمها. لقد كانت القدم اليسرى هي ما يربط كريستي براون بالعالَم، بها يكتب ويرسم ويشغّل الموسيقى. فهي تنوب عن اليد العاجزة. يقول براون في كتابه الذي ترجمه إلى العربية خالد الغنامي: “كنتُ صغيرا جدا لأعرف إن كان قلبي قد خدع نفسه، وصغيرا على أن ألحظ سوء تصرّفي إن كان قد حدث. ففي تلك السنّ ركّزتُ كلّ اهتمامي على قدمي اليسرى، أكثر من أيّ جزء آخر من جسدي، ويشمل ذلك قلبي”.

بعد المشهد التقريبي لقدم كريستي ينتقل المخرج إلى مشاهد ترتيب حفل التبرع في منزل اللورد كاسلويل، الذي سيكون مناسبة لتكريم كريستي. تتقدم المرافقة الجميلة ماري لاستقبال الضيف ومصاحبته إلى مكتبة المنزل الفاخر للورد، أو ما سيسميه براون “مسكنك المتواضع” وهو يخاطب مضيفه. في المكتبة يبدأ سرد الأحداث وترصيف المشاهد المستقاة من حياة الفنان الإيرلندي، ويأتي ذلك بعد أن تفتح ماري الكتاب على صفحة رسمَ فيها بروان أمّه. ومع اقتراب الكاميرا من وجه الأم ينفتح المشهد الموالي على أربعة عقود قبل لحظة التكريم، حيث يظهر والد براون وهو يدخل المستشفى لتخبره الممرضة أن ابنه قد ولد قبل ساعات، لكن ثمة تعقيدات في الأمر. مشهد المستشفى سيعقبه مشهد الحانة حيث يجلس الوالد مهموما بسبب هذا الوافد الجديد، الطفل المعاق كليّا. وسيغادرها بعد شجار مع أحد الندماء الذي سخر من قدر السيّد بادي، والد كريستي براون.

في المشهد الذي يمكن اعتباره نقطة تحوّل في مجرى الفيلم، يزحف الطفل الصامت والمشلول على الأرض ليمسك الطبشورة ويفاجئ الجميع وهو يكتب بقدمه كلمة “أمّ”. وحين ستدمع عينا والدته سترتسم على وجه الأب، الذي كان متذمرا حينها، ابتسامةُ فرح، وسيحمل الطفل على كتفه، ويهم بمغادرة البيت. وحين تسأله الأم “إلى أين تذهب”، سيجيبها: “هذا الرجل يستحق التقدير”. لقد أخذه معه ليتباهى به بين أصدقائه في الحانة، ويخاطب الندماء بزهو وهو يدفع الباب الرجراج: “هذا هو كريستي براون. إنه ابني العبقري”.

ولعلّ المعجزة التي جعلت الطفل يكتب أول كلمة في حياته على هذا النحو هي الحب، حبه الجارف لأمه، هذه الأمّ التي آمنت به على نحو فريد، وظلت لسنوات تبحث له عن كل السبل الممكنة وغير الممكنة للخروج من النفق المظلم الذي وجد نفسه فيه منذ الولادة. إنها المرأة التي قال عنها براون في سيرته الروائية: “أمي من النوع الذي لا يمكن لشيء أن يهزمها”.

 

▪️ لغة العيون تسبق الكلمات

ليس فيلم “قدمي اليسرى” فيلم حوار وسرد فحسب، فالمادة الحوارية والسردية متوفرة على نحو هائل في كتاب براون. ويبدو أن المُخرج، وهو يشتغل مع السيناريست شن كونوتون، لم يتعب كثيرا في توفير المادة الخام للفيلم، بل إنهما مارسا الكثير من الاختزال والقفز. إن “قدمي اليسرى” فيلم نظرات أيضا، تلك النظرات التي تتفوق على اللغة المنطوقة. وإذا كانت بريندا فريكر، التي مثلت دور الأم، قد فازت بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة مساعدة فإنها في الغالب قد استحقت تلك الجائزة بسبب عينيها، ونظراتها التي تبدو أمامها لغة الكلمات ضيقة. من عين الأمّ كان الحنان يتدفق على نحو هائل، والهدوء والإيمان والمقدرة الفريدة على التحمّل دون تشكٍّ رغم كثرة الأولاد وعلوّ كعب الفقر. كانت نظرات الأم توحي بثقل في الحمولة ووفرة في التخاطب. وكان يكفيها أن تنظر إلى عينيه لتفهم ماذا يريد هذا الكائن الصامت الصغير وبماذا يشعر وفيم يفكر. وكان يكفيه بالمقابل أن تلتقي نظرته بنظرتها من حين لآخر ليطمئن على أن العالم بخير، وأن الحياة تستحق أن تعاش بالرغم من كل هذه العوائق الجسدية والاجتماعية، التي سيحولها الطفل بما تمنحه الأم من طاقة روحية ونفسية كبيرة، إلى أسباب قوية للإبداع والابتكار والتفوق على أقرانه الذين منحتهم الحياة ما حرمته منه.

في ما مضى قال شكسبير: “إن الكلمات التي تقولها المرأة بعينيها تحتاج إلى عدة قواميس”، وذهب فيكتور هيغو المذهب ذاته وهو يقول: “عندما تتحدث إليك امرأة أنصتْ إلى ما تقوله عيناها”، فكيف إذا كانت هذه المرأة هي الأمّ؟

 

وكعادة معظم المبدعين يبدو الخذلان في الحب قدرا. هذا ما سيعيشه براون مع ممرضته الجميلة التي كان يعتقد أن لطفها هو حب متبادل يتناغم مع ما يكنّه لها من مشاعر حميمة منذ فترة، وعلى مائدة العشاء في مكان عامّ سيتغير كل شيء حين ستقدم له خطيبها الجديد. صدمة وجود طرف ثالث في الحب سيترجمها دانييل داي لويز إلى انفعالات متدرجة في الحركة والصوت على نحو مذهل، وسيصير التوتر والعزلة والكحول أشكالا لتصريفها.

سينتصر بروان لمشاعره، لكن في وجهة أخرى، حين سيتمكن من إقناع مرافقته ماري بالخروج معه إلى الطبيعة ومنادمته في مشهد ختامي مذهل. يتماهى هذا المشهد مع الفقرة الأخيرة من كتاب براون: “الآن أستطيع أن أسترخي وأستمتع بكل شيء. لقد وصلت إلى السلام الداخلي. أصبحت سعيدا مسترخيا في مقعدي، في حين كانت قدمي اليسرى القديمة تهزم الزمن مع إيقاع الأغنية.”

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.