صادفت صباح اليوم نورسا وحيدا في “برج نعام”.طريقة جلوسه توشي بالكثير من الحزن ، .واستغربت كيف أنه لم يلتحق بالسرب الكثيف الذي أمامه و هو يحلق عاليا ،و يشدو مقاطع أغنيات لم أتبين مضمونها .
ترددت بحذر قبل الاقتراب منه، استجابة لفضولي ،و في نفس الوقت لم أرد اقتحام حميميته. سألته ما إذا كان يتألم ،و يحتاج إلى من يسعفه،لم يرد وتظاهر بالنوم متجاهلا سؤالي.تركته لحاله بضع خطوات، و مع الكثير من الأمل في تلقي جواب منه لو بعد حين.
“من حقه أن يختار وحدته، وعلي احترام ذلك” قلت مع نفسي ،ربما يعتقد أن الالتحاق بمجموعات النوارس- يبدو استهتارا و هي تلتقط الأسماك في ضحك جماعي- فما تركه الفراقشية (1) ،تأتي عليه الطيور…
الالتحاق بهم قد تعيق التفكير لديه، سوف لن يترك له فرصة التأمل، والرجوع إلى الذات أمام التقاء بحرين،واستحضار الماضي العريق الذي يعبق به هذا الفضاء المؤثث بالمدافع، و الأحصنة وأثر أناس غابوا .
بعد لحظة ،التفت اتجاه النورس ،كان لا يزال يرابض مكانه دون حركة رغم وجود أطفال وهم يتزاحمون لإطعامه ما تبقى لهم من ذرة ويتبادلون شغبهم بكلمات أمازيغية.
لم يمر وقت طويل ، رأيت النورس بعينين مفتوحتين ، وهو يتفاعل رويدا رويدا مع الأطفال، ويأكل بلطف الحبة تلو الأخرى .
ثم تساءلت مع نفسي ،ربما لأنهم تكلموا لغته، لهذا السبب استجاب لعرضهم، و فجأة استعاد حيويته، وسرح جناحيه مزهوا وهو ينظر إلى المدى اتجاه الجبل.
الجبل الذي جاوزه طارق بعزيمة و إصرار ذات يوم-قبل أن يقطع إلى الضفة الأخرى-، هل ألقى خطبته بالأمازيغية، وهل فعلا أمر بحرق جميع سفنه ؟
حفيف جناحي النورس يصل أذني،رفعت رأسي إلى السماء،رأيته يطوي المسافات بأناقة وحيدا اتجاه الجبل.
_____________________________________________
*طنجة 18 يوليوز 2026
* لفراقشية : مفرد فراقشي كلمة عربية مغربية تشير إلى ناهبي المال العام، أو لصوص الماشية المحترفين. توسع معناها مؤخرا لتشمل الأشخاص الذين يستغلون نفوذهم السياسي والاقتصادي لمراكمة الثروة بطرق غير مشروعة.
| ▪️ خديجة بوتني : هي كاتبة وقاصّة مغربية، شاركت في فعاليات وثقافات القصة القصيرة بالمغرب، نشطت في كتابة المقالات النقدية ورصد ومواكبة الإصدارات والمجموعات القصصية الجديدة للكتّاب المغاربة، ولها إصدارات أدبية من أبرزها المجموعة القصصية الموسومة بـ “عبور” بالإضافة إلى إسهاماتها القصصية المنشورة في منابر ومجلات عربية ومحلية. |
